تحديات
الحاضر وآفاق المستقبل
ليلى
الأطرش
في
القاهرة عقد مؤتمر مثير حول ثقافة عربية
جديدة تتحدى الحاضر وتخطو إلى المستقبل، قدم
فيه 164 بحثا وورقة عمل، وطالب بدستور للعمل
الثقافي الجمعي وعلى مستوى الأقطار العربية
كلها.
بداية: من يضع هذا الدستور ومن يفعّل تطبيقه
أو حتى يلزمه؟
هل هي جامعتنا العربية العاجزة؟ أم مستشارو
حكامنا من المثقفين؟ أم عقولنا المهاجرة حيث
تقبع بعيدا تشخص وتخترع الوصفات منذ عقود،
بينما نحن نزداد ارتدادا ونكوصا؟ دستور لمن؟
إذا كانت دساتيرنا العربية في معظمها حبرا
على ورق في غياب الديمقراطية والمحاكم
الإدارية وحل السلطات التشريعية التي تملك
المحاسبة والمساءلة، والتلاعب في تشكيلها؟
وكأننا نتحدث عن دول ديمقراطية متضامنة
متكافلة سياسيا واقتصاديا، وتلزمها اتفاقات
جمعية، وتصغي للمثقفين ووصفاتهم لعلاج ما
استشرى واستفحل من انقسام وتشرذم.
صحيح أن فسحة للأمل تبقى، ولكنها تضيق
بالتحديات والملابسات الإقليمية والدولية
المتسارعة بحيث تبدو الوصفات والدراسات بطئا
مترفا لا يقبله الراهن، فالواقع يتطلب قرارات
لا يملكها المثقف، ويختص بها أصحاب القرار
وحدهم للأسف.
لهذا لا بد من إيجاد علاقة سريعة لسد فجوة
الانفصام بين المثقف والسلطة العربية، لتنزل
النخب الثقافية من أبراجها، أو تتخلص من
رقيبها الداخلي الذي يكممها بالخوف واتقاء
الحيطان التي تسمع دبة النملة.
المجتمعون في جلهم من تلك الرموز التي تسيدت
الساحة الثقافية منذ الخمسينات والستينيات
من القرن الماضي، وانشغلت بنظرياتها بعيدا عن
الشارع العربي برمته، ووسعت الفجوة بينها
وبين جمهور ارتد في اغلبه إلى الموروث والسلف
لخصوصية ظروف المنطقة، ولعجز الثقافة عن سد
الفراغ، فتدخل الفكر السلفي في أرض وبيئة
خصبة، وتعدى الانتشار إلى الاجتهاد والتأويل
الرافض لغيره، وطال المثقفين والكتاب باللجم
والتهديد والاعتداء والقتل.
خلال اكثر من نصف قرن لم يستطع هؤلاء المثقفون
وأصحاب النظريات ردم الفجوة بينهم والمتلقين
المفترضين لهم، بل يمكن الجزم بان 99% من
الشارع العربي لم يسمع بأسمائهم للأسف.
لقد دعا مفكرونا بداية القرن إلى العلم
ومجانيته وسيلة للخروج من أزمة العقل ولكن
مخرجات التعليم المتزايدة لم تستطع مجابهة
التحديات أو الخروج بالعقل من ورطته.
أما دعوة المؤتمر لصياغة خطاب ثقافي جديد
يستشرف المستقبل ويحيي التراث، خاصة تراث ابن
رشد، بعد الجمود الذي سببه فكر الغزالي وابن
تيمية، فهو من قبيل الكلام الكبير العاجز،
فالحل هو في فتح باب الاجتهاد، وكبح جماح
المؤسسات الدينية المهيمنة، والتي تملك
محاسبة الفكر والثقافة، وسيطرت على عقول
الكثيرين من المتعلمين وباطراد مع تقدم وسائل
الإعلام والفقر والبطالة والتردي السياسي.
أما عن مطالبة المؤتمر بحق المثقف في صناعة
التاريخ وضرورة التوجه إلى السلطة ونخبها ثم
الآخر، فالمؤتمرون يعرفون أن الحقوق لا تعطى
ولا تمنح، بل تؤخذ ومهما كان الثمن، وأن
العلاقة بين (الأمير) والمثقف إشكالية ممتدة
في الزمان والمكان، فلا تكفي رغبة المثقف في
الاقتراب من السلطة منافقا أو ناصحا، ولكن لا
بد من تغيير حقيقي وديمقراطي يقبل بهذا النصح
ويعمل به في تلازم السياسي والثقافي في وضعنا
العربي.
المضحك المبكي في بعض أوراق المؤتمر مطالبة
أحد (العقول) المهاجرة بالقضاء على الثقافة
الساذجة.
وعش رجبا تر عجبا، كيف تكون السذاجة ثقافة من
اصله؟ وهل كلام النخب الفلسفي المغرق في
التغريب هو المعتمد فقط؟ وكل ما عداه ثقافة
ساذجة؟
بل من يحدد المثقف؟
ومن يملك أن يجعل للثقافة رموزا مكرسة لا يجوز
المساس بها، حتى هيمنت وتسلطت على الساحة
الثقافية وفعالياتها ورفضت كل من يخالفها أو
يجيء بالجديد فصارت في جمودها أشبه بهيمنة
المؤسسات الدينية التي أقفلت باب الاجتهاد
ونصبت نفسها قيما وحيدا عليه!
يستطيع المثقف لعب دوره التاريخي حين يطالب
بالديمقراطية التي ترفض التمييز بالجنس أو
العرق أو الدين، وهو ما سيفتح ملفات كثيرة
ساخنة في وطننا العربي كالأقليات والمرأة
وحرية التعبير وسوء توزيع الدخول والتعليم
وسيطرة أجهزة الأمن ولن يتصدى لها إلا فكر
مستنير لا يكمم فمه بالخوف أو يهاجر بأفكاره،
بل يقدم حلولا مقنعة مستفيدا من رغبة الحكام
العرب بالديمقراطية حتى ولو مارسوها
وانصياعا للإرادة الأمريكية.