غسان كنفاني المسافر الأبدي

سهيل كيوان
سقراط وأفلاطون نظرا إلى الفن نظرة أخلاقية، وكانت نظرة أرسطو تربوية، غير أن الفرق بين النظرة القديمة والجديدة هو أن علماء اليوم جمعوا معا: الأخلاقية والتربوية، وأضافوا إليهما الطابع الاجتماعي والطبيعي، ووجدوا أن الفنان في إبداعه الفني يخضع لثلاثة عوامل أو مؤثرات، البيئة الطبيعية ـ الاجتماعية والجنس والأخلاق، وإن كان (دريكايم) يغلب الطابع الاجتماعي على كل إبداع (فصول في علم الجمال)، عبد الرؤوف برجاوي (ص 176ـ177).
لقد تحولت حياة الفلسطيني إلى سفر وترحال طلبا للرزق أو الأمان أو العلم، ولهذا نجد أن (موتيف) الترحال والسفر والرسائل القادمة من بعيد أو المرسلة إلى البعيد، تحتل حيزا محترما في أدب غسان كنفاني، فكثيرا ما نجد بطله مسافرا عبر الصحاري والطرق السريعة أو سيارات الأجرة أو القطارات والمطارات، أو انه في غرفة بعيدة وحيدا يشكو العزلة، وهذه باقة من الحالة اللافتة التي استخرجتها من قصصه القصيرة (المجلد الثاني من الأعمال الكاملة الصادرة عن مؤسسة الأبحاث العربية). ولكنني تجنبت القصص والتنقلات التي كانت في فلسطين نفسها قبل النكبة، كما في قصص عن الرجال والبنادق، لأن التنقل لم يكن بسبب اللجوء والهجرة، والأمثلة التي أسوقها هنا تعبر عن التنقلات الاضطرارية في الغربة فقط:
ـ القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل إلى طهران، (شيء لا يذهب ص 57).
ـ لست أدري لمن سوف أرسل هذه الرسالة. (منتصف أيار ص 71).
ـ وغبت عنك بعيدا حيث أقتلع عيشي اقتلاعا، ( ص 104 في جنازتي).
ـ لقد كانت الرحلة شاقة حقا.. ان المركب الذي حمل هذا الحشد الطموح عبر الجنوب.. ثم صعد المضيق إلى الشمال قاصدا ركن الخليج. (ص 139 موت سرير رقم 12).
ـ كنا نعرف أيضا أدق التفاصيل عن بطولة الذين أتوا من بعيد كي يعيشوا، فماتوا من فرط ما تاقوا للعيش (ص 156 لؤلؤ في الطريق).
ـ ما كاد السيد علي يطمئن على مقعده في سيارة الركاب حتى لمح وجه السيدة زينب تجلس في الجانب الآخر، (ص 167 الرجل الذي لم يمت).
ـ آه لو يستطيع الرجل الكئيب ان يذهب! إلى أين! هذا لا يهم فقط لو يستطيع ان يذهب، (ص 183 الرجل الكئيب).
ـ لقد مشيت كثيرا حتى تعبت أمي، (194 المجنون).
ـ واستغرقت رحلتنا ثلاث ساعات، (ص 227قلعة العبيد).
ـ كان علي ان أنتقل بين ثلاث قرى لأؤدي دروسي فيها، كان ركوب السيارة أمرا مرهقا حقا، كنت أحاول ان أنام أحيانا خلال الطريق، (ص 237 ستة نسور وطفل).
ـ وحينما شاهد أول سيارة أجرة أشار إليها واندفع إلى المقعد الخلفي، (ص 249 القط).
ـ حينما كنت انقل نظري في وجوه رفاق السفر كنت أحس بوضوح كم هي قاسية رحلتنا، شعورهم بيضاء من الغبار، (ص 259 الخراف المصلوبة).
ـ لقد أنزلته السيارة على باب الفندق، (ص291 الأفق وراء البوابة).
ـ سآتي من فلسطين ماشيا علي قدمي، كما أتيت في المرة الأولى، وسأبحث عن الشرطي هذا ما استطعت، ثم سأدعوه ليقضي شهرا كاملا في طيرة حيفا على حسابي، (ص 339 ورقة من الطيرة).
ـ ومست شفاهك الباردة وجنتي وأدرت عني وجهك ميمما شطر الطائرة، وعندما التفت إلى مرة ثانية كنت أرى دموعك.. (ص 343 ورقة عن غزة).
ـ كانت سيارة شحن كبيرة تقف في باب دارنا، وكانت مجموعة بسيطة من أشياء النوم تقذف إليها من هنا وهناك بحركات سريعة (ص 363 أرض البرتقال الحزين).
ـ ولكن ما الذي قاده إلى الموصل؟ أنا أعرف أنه يعيش في بغداد.. أتريد أن أقول لك نفس كلامه؟ قال انه يريد ان يخطو نحو اللد، إن الزيف الذي غرقت فيه بغداد قد قطع في صدره كل أمل.. (ص 387 قتيل في الموصل).
ـ فور ان شاهدتها في الأفق سقط اسمها في ذهني دون ان اقرأه أو أسمعه: كانت الطريق أقصر مما ظننت، وقد شاهدتها عن بعد فكففت عن التجذيف، وأخذت أتأملها وهي مكومة في الأفق كجبل اسود في المدى المترامي لزرقة البحر، (ص 444 كفر المنجم).
ـ قادتنا الظروف نفسها تقريبا للسفر إلى هناك.. لقد قبلنا بنوع من الاختيار البطل، أن ننفي أنفسنا مقابل ان نرسل لعائلاتنا ما يقيم أودها، (ص 461 عشرة أمتار فقط).
ـ أول مكان ذهبت إليه بعد وصول الطائرة كان ذلك المكان الذي حلمنا ان نشاهد فيه اللحم والحب والاكتفاء (ص 490 علبة زجاج واحدة).
ـ ألا تكتب لك ـ طبعا كل ستة شهور مرة، أنت تعرف أنهن لا يفكرن بأمهاتهن كثيرا، (ص 544 الشاطيء).
ـ وبعد عشر دقائق قرر أن يطلق لسيارته العنان، فالطريق واسع وطويل ويمتد حوالي سبعة أميال في خلاء شبه صحراوي (ص 561 رسالة من مسعود).
ـ لقد ولد عامر من أب إيطالي وأم فرنسية وكان الاثنان يعملان في السلك السياسي هنا منذ زمن بعيد حينما تعارفا، وإذا كانا قد اتفقا على كثير من الأمور فأن الشيء الأهم الذي يجمعهما هو حبهما للشرق، (ص 574 رأس الأسد الحجري).
ـ عزيزي رياض، لا شك أنك تقول الآن أنني قد جننت، فهذه ثاني رسالة اكتبها لك في يوم واحد.. (ص 591 العروس).
ـ رأيناه أول مرة جالسا في واحدة من تلك العرائش المتناثرة على طول الطريق الممتد في الصحراء بين بغداد والمفرق (ص 815 درب إلى خائن).
ـ لقد سافر رياض إلى الأردن، بعد انتكاسة نيسان الأخيرة، (ص 829 البطل في الزنزانة).
ـ وفيما كان الباص ينسرب في أنفاس الشروق، كان اللحن المجروح يكمل الطبيعة (ص 869 كان يومذاك طفلا).
أما في الروايات فأن (رجال في الشمس) تعتمد بالأساس على موضوعة السفر الاضطراري للبحث عن لقمة العيش، فالأبطال يلقون حتفهم أثناء السفر في خزان تنقله شاحنة كبيرة، وفي رواية (ما تبقى لكم)، فأن حامد يمضي عبر صحراء النقب مشيا في طريقه إلى أمه، وأما (عائد إلى حيفا) فهي سفر معاكس، هو سفر نحو الوطن، إذ يأتي سعيد وزوجته صفية إلى حيفا من المنفى بعد حرب 67، ويدخلا حيفا في سيارتهما يتأملان شوارعها، ولكنهما لا يلبثان ان يعودا مسافرين إلى المنفي، وفي رواية (أم سعد) فأن السفر يكون من لبنان إلى الأغوار، فقد سافر سعد إلى هناك كي ينضم للثورة، الأمر الذي يشير إلى ان موضوعة السفر القسري والرسائل المرسلة أو القادمة من بعيد احتلت حيزا محترما من نتاج غسان الأدبي، حتى يكاد لا يخلو منها عمل واحد.
من دراسة (غسان كنفاني الجمال الحزين العطاء المتوهج) التي ستصدر قريبا في كتاب والفائزة بجائزة مؤسسة توفيق زياد للثقافة والإبداع عام 2001.

(الشهيد غسان كنفاني اغتيل في بيروت بأيدي الموساد الاسرائيلي.)