يا مثقفي العرب... استتروا!

خيري منصور/الأردن

لأنكم ابتليتم بخوف حول الحبال إلى أفاعٍ ولأن الله لم ير أثر نعمة القراءة والكتابة عليكم، ولأنكم عراة حيث لا ورقة توت أو تين أو حتى زيتون، لوذوا بالصمت فهو اكرم من هذيان يراوح بين سياسة مشتقة من السّوس وسائسي كلاب الصيد وبين ثقافة منزوعة الدسم، تصلح لمن يستهدفون الترشيق ممن أعاق الترهل حركتهم.
ألهتكم الوظائف حتى نبت على ظهر الواحد منكم سنام، وحمل أسفاراً لم يحملها وطنكم بأمياله الأربعة عشر مليون محتل من العقال إلى الحذاء، وأشجاركم قد تضرب عن الثمر والاخضرار في هذا الخريف الذي قضم الفصول كلها.
أنتم الملح الذي فسد، فبماذا يملح الناس ما ادخروا في الجرار؟
لكأن ما كتب حتى الآن منذ النبي الأول والفيلسوف الأول والسوفسطائي الأول مجرد نقوش على الماء.
استتروا واصمتوا ان كان في أفواهكم نفط او ماء، ودعوا هذا العربي الجريح الملفوظ كالنواة على قارعة التاريخ يشهد ويئن بحرية، وليخطئ في النحو كما يشاء فهو الآن البديل التاريخي والعضوي الذي يتشكل من زواج التاريخ بالأرض ومن مزيج الدم والحبر.
لم تقولوا للديكتاتور انه أعور إلا بعد ان تأخرت حوالته البنكية الأخيرة، وتأكدتم ان الخزانة قد فرغت.
أنتم من صنع الرب الوثني من التمر وعجين الثقافة الرخوة ثم أكلوه.
وأنتم من قالوا أن الأرض لا تدور عندما طلب منهم ذلك، ولم يرددوا حتى مع أنفسهم عبارة غاليليو (ولكنها تدور)!
ماذا تنتظرون بعد كل هذا الهوان، وهذا الانتهاك الذي أسال نخاعكم على الورق وخشب المكاتب!
ضبطتم ساعاتكم على منبه أجنبي، ذي رنين يحتاج إلى ترجمة، ورقصتم على إيقاع رصاص أصاب جامعتكم، ومتحفكم، وروضة أطفالكم، اصمتوا رجاء ان كان اضعف الإيمان قد صار خارج مداركم وطاقتكم.
أما (المومأة) والضجيج المبهم والحفلات التنكرية التي يرتدي فيها الأسخريوطي صليب المسيح، ويرتدي فيها العلقمي قناع ابن الوليد أو ابن الخطاب، فقد آن الأوان لافتضاحها وهدم المسرح على ما فيه من دمى!
نعم، إن كنتم قد ابتليتم بكل هذا الهلع فاستتروا واصمتوا، كي لا تفسدوا الصوت البريء القادم من مقبرة أو رصيف!