خيار
الانحياز!
حياة
الحويك عطية/كاتبة من الأردن
"يمكننا
ان نتحمل ونقبل بإصابة واحدة مقابل كل دائرة
من دوائر الكونغرس الانتخابية.. وربما يكون
أقصى ما نتحمله عشر إصابات قبل ان يقطع
الكونغرس تمويل الحرب".
كانت هذه العبارة الواردة على لسان أحد أعضاء
الكونغرس الأميركي واحدة من أول أجراس
الإنذار المتعلقة بحرب فيتنام، حيث انه قالها
في بداية السبعينات وفعلاً قام الكونغرس بذلك
عام 1975 واضعاً حداً لواحدة من اقذر واعنف حروب
القرن العشرين.
عوامل كثيرة أدت إلى ان يكون المشهد الأخير
مغادرة الأميركيين والمتعاونين معهم على
طائرة أقلعت من على سطح السفارة الأميركية في
سايغون. ولكن في مقدمتها حدثين أساسيين:
الحادث الشهير المعروف بحادث (خليج تونكن)
والثاني هو عقد لجنة العلاقات الخارجية في
مجلس الشيوخ جلسات تحقيق بشأن الحرب، والحادث
المذكور تحديداً.
ذاك ان جلسات التحقيق تلك قد أعطت المجال
للعائدين من فيتنام للإدلاء بشهاداتهم، ومن
ثم تحركت وسائل الإعلام، لتتحول معارضة الحرب
من نشاط سلمي يمارسه الشباب الصغار و(الهيبيون)
طويلو الشعر، إلى تيار سياسي احتجاجي ذي وزن
في المجتمع وخاصة في الانتخابات.
أما حادث (خليج تونكن) فهو في الواقع حادثان،
تعرضت فيهما مدمرة أميركية لهجمات الثوار
الفيتناميين وعلى اثر ذلك صرحت الإدارة بأن
مدمرتها كانت تقوم بمهمة روتينية سلمية وأن
الثوار اعتدوا عليها.
وبناءً عليه أمر الرئيس جونسون بحملة الغارات
الجوية المدمرة على فيتنام الشمالية. ليتبين
فيما بعد أن الحقيقة هي أن المدمرة كانت تقوم
بعملية تجسسية خطرة ومؤذية وعسكرية.
كل ذلك يشكل عنصرين أساسيين للمقارنة بين ما
يحصل في العراق وما حصل في فيتنام، والاهم ان
الصحافة الأمريكية نفسها باتت تطرح هذه
المقارنة مثيرة وجه الشبه بين كذب إدارة
الرئيس جونسون بخصوص (خليج تونكن) وكذب إدارة
بوش بخصوص أسلحة الدمار الشامل العراقية، من
جهة، ووجه الشبه بين تنامي معارضة الحرب على
العراق، مع تنامي الإصابات في صفوف الجنود
الأميركيين وانتشار شهادات العائدين من
هؤلاء في الولايات المتحدة نفسها. وإمكانية
وصول الكونغرس إلى فتح تحقيق.
ولكن ثمة من يرد هذه المقارنة بالقول ان ما
يحرك المعارضة الأميركية اليوم إنما هو مجرد
اعتبارات انتخابية يريد فيها الديمقراطيون
قطع طريق البيت الأبيض على الجمهوريين الذين
لم يصلوه إلا بمسرحية غير ديمقراطية وربما
هزلية. ولذلك يضطر بعض الطامحين من
الجمهوريين أنفسهم إلى مجاراتهم.
والواقع ان هذه الاعتبارات نفسها هي التي
لعبت دوراً أساسياً عام 1975 وحتى الآن ما يزال
"المصدر المجهول" الذي أعطى مجلس الشيوخ
المعلومات حول حقيقة حادث (تونكن) مجهولاً.
أما الرد الثاني فهو أن التوازنات الدولية
التي كانت قائمة في السبعينات لم تعد قائمة
الآن، في إشارة واضحة إلى دعم الاتحاد
السوفياتي.
والواقع أيضاً ان النظرة الموضوعية إلى
الحراك الدولي تقول بأن هناك الآن اكثر من طرف
دولي له مصلحة في زعزعة وضع الأميركيين في
العراق، وان كان دعمهم للمقاومة يتوقف على
إثباتها لوجودها على الأرض.
بدءاً من الصين التي كانت الداعم الأساسي
للثوار الفيتناميين إلى عديدين آخرين في آسيا،
وانتقالاً إلى أوروبا التي يشن عليها
الأميركيون الآن حرباً شعواء نموذجها ما
كتبته مجلة (الجمهورية) الجديدة الواسعة
الانتشار في واشنطن في عددها الأخير محذرة
أميركا النائمة عن الخطر الأوروبي الزاحف عبر
الوحدة وعملتها اليورو، بل ومتجاوزة إلى
القول انه ربما يكون وقت اليقظة قد فات، لأن
الكوكب الجرماني - الفرنسي اصبح يستقطب
الجميع. خاصة إذا ما تم بناء أوروبا وفق
الرؤية الجيسكارديستانية.
وأخيراً، العرب الذين سيتنامى مع تنامي
المقاومة الشرخ بين شارعهم واكثر حكوماتهم
وأصحاب المنافع من الملتفين أما حول الحكومات
وأما حول حبل يربطهم بالممول أو الشريك
الأجنبي.
أما الرد الثالث، والأعمق فهو ان الرهان
الصهيوني لم يكن مطروحاً بهذه الحدة في حرب
فيتنام، كما أن نفوذ اللوبي الصهيوني في
الغرب، وهيمنة (اسرائيل) في المنطقة لم يكونا
بحجم ما هما عليه اليوم.
غير ان حقيقة الحيز الكبير الذي يحتله دور (اسرائيل)
واللوبي الصهيوني المؤيد لها يجب أن تؤدي بنا
إلى أمرين:
الأول أن الإعلام الصهيوني والمتصهين يعملان
بجهد حثيث على تهويل هذا الدور وتصويره كأنه
قدر لا راد له. والأمر في الواقع صراع قائم
بينه وبين قوى أخرى موجودة وفاعلة في العالم،
وعلينا نحن أن نختار لمن ننحاز.
والثاني ان هذه الحقيقة تؤكد أن كل صراع يقوم
على الأرض العربية من لبنان إلى مصر إلى
السودان إلى الخليج إلى العراق إنما هو في جزء
كبير منه صراع بين مشروع وجودنا والمشروع
الصهيوني وهنا لا خيار لنا في الانحياز.