حلمي
الأسمر/كاتب وصحفي من الأردن
في
غفلة منا نحن أولياء الأمور، المنشغلين
بالركض وراء رغيف خبز مغمس بالقهر، يسرق منا
"عالم آخر" فلذات أكبادنا، ويُلهب
خيالاتهم البريئة بأوهام وأحلام، بعيدة عن
كنه أمراضهم وأجنداتهم النفسية والاجتماعية
والوطنية!
برنامج (سوبر ستار) الذي تبثه إحدى الفضائيات،
أصبح من أكثر البرامج التلفزيونية العربية
شهرة، ويستقطب جماهير غفيرة من الشباب
والشابات، وتقوم فكرته على اختيار (نجم) عربي
شاب في مجال الغناء، من جملة المتقدمين من
الهُواة، ويتخلل ذلك عملية "بزنس"
واستثمار محض بملايين الدولارات، تجمع من
جيوب الغلابى على شكل اتصالات هاتفية من
أنحاء العالم كافة، لاختيار السوبر ستار
الموعود، وفي الأثناء يجتمع الحالمون
بالثروة والشهرة مترقبين الموعد الأسبوعي
لبث البرنامج المُبهر، على غرار برامج أخرى (تعد)
بالمجد والنجومية، مثل (مس لبنانون) و(من يربح
المليون) و(وزنك ذهب) و(الكنز) وما لف لفها من
برامج، ظاهرها التسلية والترفيه، وباطنها
جمع الملايين بسهولة ويسر، وبطرق من الصعب أن
تدعي أنها (شرعية) وقانونية مائة في المائة،
فهي أشبه ما تكون بعملية القمار، المحرم
بالقانون والشرع، ولكن يبدو أن أذهان دهاقنة
العولمة و(الآي......تي) والاستثمارات الحديثة،
قادرة على ابتداع أساليب متعددة لجمع الثروات،
بطرق التفافية لا حدود لها! فهي لا تكف عن
البحث عما يشبع هذا النهم الأزلي، ولو تسبب
ذلك في تدمير ممنهج لأجيالنا، العالقة في
مجتمعات متخلفة تعاني من إعاقات مزمنة، ولا
علاقة لهذا (الازدهار) المبهرج بحقيقة همومها
وأولوياتها!
إن معظم هذه البرامج مُنتجة في الغرب، وتعبر
عن واقع ثقافي وقيمي مغاير، وهي تباع لمعظم
تلفزيونات العالم، وما يمكن أن يصلح لعالم
غربي مُرفه تجاوز مرحلة (الاحتلال) الأجنبي،
لا يصلح لشعوب مقهورة زاحفة بإخلاص للوصول
إلى (خط الفقر) الحضاري والمعيشي والسياسي!
نحن لسنا ضد الترفيه البريء، وتفريج كروب
المحزونين، ولكن على ألا يتم ذلك على حساب
تخريب أحلام أجيالنا، وحصرها في الحصول على
ثروة بـ (كليك) أو ضربة حظ، ونسيان الواقع-المستنقع
الذي تغرق فيه شعوب العرب!
لا نملك أن نغلق (أثير) الدشات والفضائيات
التي تقذفنا بسيل عرم من التفاهات، ولا أن (نعتقل)
أبناءنا في غرف "معقمة" ثقافيا ووطنيا
وأخلاقيا، لكننا نؤشر على أهمية الحذر من
انجراف شبابنا وراء أوهام وأحلام فارغة،
تـُحدث في دواخلهم، هوة سحيقة بين ما يرون من
بُهرج وديكورات باذخة وإضاءة مبهرة، وبين
واقع مزدحم بأولويات مغايرة، لعل أهمها تأمين
مستوى معقول من التحصيل العلمي، وعمل يعتاشون
منه، وفضاءات وطنية توفر لهم حرية التفكير
والتنفس، ومواجهة استحقاقات الاحتلالات
الجديدة، ما ظهر منها وما بطن!
(سوبر ستار) العرب، ليس مطربا مخنثا أقرب ما
يكون إلى المسخ، بل هو ذلك البطل الغائب الذي
يحلم به كل المحزونين، كي يلهمهم السير في
طريق الحرية والخلاص من الذل والجوع المزمنين
اللذين يفتكان بالأمة منذ عقود!
عنوان
الكاتب على الإنترنت:
www.helmi-alasmar.cjb.com