الأوروبيون
يتبنو ن مشروع دستور.. بينما العرب يتبنون
التجزئة؟!
بعد
أن أيقن الأوربيون أهمية الوحدة سياسياً
واقتصادياً واستراتيجياً سارعوا لتأكيدها في
هياكل ومؤسسات وعملة ورقية واحدة.. بل ذهبوا
أبعد من ذلك عندما تبنوا وثيقة أساسية موحدة
ضد الفساد الذي يكتسح المجتمعات الغربية في
مؤسساتها المالية والاقتصادية لعدم قدرتهم
على مواجهته أحادي وفرادى لهذا جاءت الوثيقة
الموحدة كنموذج وإعلان بأهمية الوحدة لتلافي
المخاطر.. ولعل المراقب للأحداث يلاحظ مزيداً
من الخطوات العملية التي يعمل على ضوئها
ويتبناها الأوروبيون. لا سيما ما أنبثق عن قمة
(سالونيك) باليونان حيث حضر هذه القمة أو
المؤتمر ما لا يقل عن 25 خمسة وعشرين رئيس
حكومة ووزير.. وبعد مناقشات جادة وملتزمة
بأهمية التكتل والاندماج في ظل ديمقراطية
واحدة أصدروا وثيقة أساسية وتبنوا مشروع
دستور لكل أوروبا بالرغم من اعتراض بعض الدول
على بنود وفقرات من مشروع الدستور إلا أن
المضي قدما في هذا الطريق له خصوصياته
وأهدافه في عصر أحادية القطب وإذا كانت فرنسا
وبلغاريا وبابا الفاتيكان يقاطعون ويعترضون
على جزء من الفقرات فيما يتعلق بمسألة التراث
المسيحي والثقافة المسيحية.. تظل تلك
الاعتراضات لا تشكل عائقاً قويا أمام إصرار
أوروبا على التوحد والاندفاع في إطار
ديمقراطي واحد من خلال تبني الدستور الجديد.
وأذكر
أن أستراليا كانت حتى نهاية السبعينات من
القرن الماضي مجموعة دول أو ولايات تحت شعار
الفيدرالية وكان على سكان ولاية فيكتوريا
التي عاصمتها ملبورن إذا أرادوا الذهاب إلى
ولاية نيو ساوث ويلز التي عاصمتها سيدني أو
الذهاب إلى مقاطعة العاصمة الأسترالية
كانبيرا مثلا لزيارة الأهل والأقارب أو
الأصدقاء أو للسياحة والتجول في المناطق
الأسترالية كان عليهم أن يجتازوا حدودا ونقاط
تفتيش حيث يتم فيها التحقق من هوية الركاب
وتفتيش أمتعتهم إذا كانت تحتوي على مواد
ممنوعة وخاصة المواد الزراعية والخضروات مثل
البندورة (الطماطم) أو السبانخ والفواكه مثل
الموز والتفاح وغيرهم فكلها كانت ممنوعة من
عبور العبور بين حدود الولايات وفي بداية
الثمانينات تم رفع الحواجز وإزالة الحدود ولم
يتبقى منها اليوم أي أثر سوى قناطر حديدية لا
يذكرها أحد إلا القلائل من كبار السن أو
الباحثين..
فإذا
كانت أستراليا هذه القارة التي قال فيها
العديد من القيادات والساسة العرب أنها غير
مهمة لهم تجاريا وسياسيا سوى للاستجمام
والتمتع بمناظرها الطبيعية على الرغم من شراء
الألبان ومشتقاتها والقمح منها بسبب سياسات
حكوماتها بشقيهم الأحرار أو العمال التي تتبع
لبريطانيا كما هي تابعة ذليلة لإدارة الشر
الأمريكية كما حدث إبان العدوان الأمريكي
الأطلسي على العراق عام 1991 وقبل ذلك على
اليونان وهذا بالطبع صحيح ولا غبار عليه ونحن
هنا لا نناقشه أقول هذه الأستراليا التي
أزالت الحدود فيما بين ولاياتها المختلفة
وتلك الأوروبا قد وعتا الدرس وأيقنتا أن
الدويلات القزمية والهامشية سوف لن تصمد أمام
خيارات القوة المالية والقرار السياسي
الموحد الذي يفترض أن يكون أجندة في كل
التعاملات المستقبلية.. نجد أن البعض من الذين
يدعون أنهم سياسيون في البلاد العربية
يطالبون في كونفدرالية في العراق ويعملون على
ترسيخ الحدود التي وضعها الاستعمار
البريطاني والفرنسي بين البلاد العربية في
العشرينات من القرن الماضي!!.. والملفت للنظر
أيضا أننا نجد أن الأنظمة العربية وبعض الذين
يقولون أنهم مثقفين لا زالوا مهتمين بمسألة
الحدود ويفحصون جوازات السفر ليتأكدوا من ختم
وطابع بريد الدولة القطرية وفيسفساء الأوراق
المالية وبل يتفننون في رسم الحدود وتعذيب
المواطن في الحصول على تأشيرات مرور عدا عن
العذاب النفسي على الحدود حيث عليه أن يدفع
لهذا أو ذاك إما بعض الفلوس لتسهيل عبوره أو
بربطة خبز أو صندوق صغير من البسكويت وغير ذلك
من رشاوى.. أليس من حق هذا المواطن أن يفضل
بلدا غير بلده ونظاما غير نظامه ويتطلع إلى
الهجرة إلى أوروبا أو إلى أستراليا وحتى إلى
أمريكا نفسها التي لا يوجد حر وشريف في البلاد
العربية كما في أرجاء العالم يكره إدارتها
الشريرة!!..