(الإمبراطورية الأميركية)  كما يراها فوكوياما!

جواد البشيتي/كاتب فلسطيني يقيم في الأردن

فرنسيس فوكوياما، مفكر أميركي ويعمل، الآن، أستاذا للاقتصاد السياسي الدولي في (معهد جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة) في أميركا. قبل بضعة أيام، كتب مقالا في صحيفة (اليوميوري) اليابانية عن (الإمبراطورية الأميركية المفترضة)، شارحا فيه مزاياها وعيوبها في طريقة توجد انطباعا لدى القارئ أنّ الكاتب لا ينشد سوى (الحقيقة الموضوعية الخالصة).

في تحليله الأيديولوجي للأبعاد والمعاني التاريخية التي انطوى عليها الغزو الإمبريالي الأميركي للعراق، حاول الكاتب أنْ يزوّد القارئ بطريقة جديدة مختلفة في النظر إلى الأمور وفي فهم ما حدث ويحدث لعله يتوصل إلى الأحكام والاستنتاجات التي يريدها أولئك الذين يدعمون الحملة الأيديولوجية لهذا المفكر الأميركي.

لقد قرأ فوكوياما شعارات الحملة الحربية الأميركية لنشر الديمقراطية في العراق، وفي العالمين العربي والإسلامي من ثمّ، وما صدر عن إدارة الرئيس بوش من تصريحات في شأن رسم خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، فاستنتج أنّ الولايات المتحدة قد شرعت تجتاز عملية (التشكّل الإمبراطوري)، التي ينبغي لها، في قدرية تاريخية لا مناص منها، اجتيازها، بحسب ما ألمح إليه الكاتب.

فوكوياما لم ينزّه القوة العظمى في العالم عن صفة (الدولة الإمبريالية)؛ ولكنه أخذ عليها ما دعاه (افتقارها إلى الإرادة)، وكأنّه يحضّها على أنْ تريد ما تستطيع وهو التحول إلى إمبراطورية حتى لا تظل أقرب إلى (الافتراض) منها إلى (الحقيقة الواقعة).

أمّا ما يحمل المفكر الأميركي على إبداء هذا الانحياز الأيديولوجي والنظري إلى فكرة (الإمبراطورية الأميركية) (الواقعية) فهو إيمانه بأنّ هذه الإمبراطورية الجديدة ستكون (نظريا) أكثر رحمة واعتدالا من الإمبراطوريات العالمية التي عرفها التاريخ؛ لأنها مستندة إلى مبادئ الديمقراطية والحكم الذاتي، ولأنّ الولايات المتحدة لا تريد حكم الشعوب الأجنبية ضد إرادتها، فكل ما تعتزمه هذه الدولة أنْ تمكّن الشعوب الأخرى من حكم نفسها بنفسها!

وبعد دعوته الولايات المتحدة إلى ألا تتردد في التحول إلى إمبراطورية عالمية، تنشر وتوزّع الديمقراطية، والثواب والعقاب دفاعا عن (حقوق الإنسان)، حضّ فوكوياما الرئيس بوش، الطموح إلى تأدية هذه المهمة التاريخية، إلى نبذ (الوسائل التقليدية) التي اتبعتها الإمبراطوريات السابقة إذا ما أراد النجاح في اتخاذ الاحتلال الأميركي للعراق قاعدة لنشر قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي، فما حدث في أفغانستان، ويحدث في العراق، إنما يعكس فشلا في خطط (الإمبراطورية الناشئة) لترجمة الانتصار في الحروب بانتصار في معركة إعادة البناء وإقامة السلام. ويعزو فوكوياما هذا الفشل إلى كون الجنود الأميركيين مدربين على شن الحروب والقتال فحسب، ولا يملكون، بالتالي، المقدرة على حفظ السلام أو الأمن في المدن أو مواجهة حروب عصابات؛ كما يعزوه إلى ميل الولايات المتحدة إلى إقصاء المجتمع الدولي والأمم المتحدة، على وجه الخصوص، عن عمليات إعادة البناء، التي تعقب عمليات التدمير التي ينجح في إنجازها الجنود الأميركيون.

وحتى لا تُصاب الولايات المتحدة بالعجز عن المضي قدما في بناء إمبراطوريتها الجديدة (الأكثر رحمة واعتدالا)، والتي في مناخها ستزدهر الديمقراطية في كل مكان، يحذّرها فوكوياما من مغبة تعرّض قواتها إلى خسائر متزايدة، وتحول الرأي العام الأميركي، بالتالي، عن دعمه لخطط (التشكّل الإمبراطوري).

إنّ فوكوياما لا يعترض بل يؤيد (الهدف النبيل) الكامن في أساس سعي الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس بوش، إلى التحول إلى إمبراطورية عالمية؛ ولكنه، ومن أجل نجاحها في بلوغ هذا الهدف، يعرب عن اعتراضه على (الوسائل والأساليب التقليدية) التي اتبعتها الإمبراطوريات السابقة، فهذا (الهدف النبيل) يحتاج إلى وسائل وأساليب مبتكرة، تجعل الشعوب التي شملها الاحتلال الأميركي حليفا طبيعيا لقوة الاحتلال الأميركي (الأكثر رحمة واعتدالا)، والتي لا هاجس لها سوى مساعدتها على حكم نفسها بنفسها في طريقة ديمقراطية!

فوكوياما، وقبل أنْ يشرع في تمجيد (الإمبراطورية الأميركية) والتسبيح بحمدها وفي حضّ الشعوب على استقبال (الفاتحين الجدد) بالزهور والورود، جرؤ على وضع حد (ليبرالي) لحركة التاريخ، فأعلن توقف التاريخ عند تخوم ملكوت النظام الرأسمالي الليبرالي، الذي ليس قبله قبل وليس بعده بعد، معيدا إلى الأذهان الموقف الأيديولوجي للفيلسوف الألماني العظيم هيغل الذي آثر خيانة نهجه الديالكتيكي العظيم إذ رأى في بروسيا النهاية الأيديولوجية المثلى للتاريخ، وكأنّ فوكوياما أراد أنْ يثبت أنّه (المهزلة الأيديولوجية) التي حبلت بها المأساة الأيديولوجية لهيغل!

لقد فهم فوكوياما النزعة الإمبريالية الاستعمارية الإمبراطورية للقوة العظمى في العالم، والتي اشتدت وقويت بعد (هجمات أيلول/سبتمبر) في نيويورك وواشنطن، على أنّها نزعة ديمقراطية ليبرالية خيّرة، لا مقصد لذويها سوى خلق العالم على مثال (الخالق الأميركي) الذي، وفق نظرية (الفيض) الأفلاطونية، يفيض ديمقراطية ورحمة وعدالة!

غير أنّ فوكوياما، وعن عمد، لم يوضّح لنا الأسباب التي تحمل (الإمبراطورية الديمقراطية الأميركية) على خصّ الشعب العراقي، وقبله الشعب الأفغاني، ببركتها الديمقراطية، وعلى حمل لواء (الإصلاح الديمقراطي) في أمكنة من دون سواها وفي وقت محدد، فالالتزام المبدئي الديمقراطي يجب أنْ يكون كلاًّ لا يتجزأ وإلا توجّب البحث في باطنه عن أسباب ودوافع لا تمتّ بصلة إلى (عالم المُثل) الأفلاطوني، الذي كان، على الدوام، نسخة أيديولوجية مشوّهة من عالم السياسة الواقعي، حيث المصالح الحقيقية هي القوة الدافعة والمحرِّكة.

فوكوياما، وقبل أنْ يزفّ لنا بشرى أنّ (الإمبراطورية الأميركية) الناشئة ستكون (الأكثر رحمة واعتدالا) و(إله الحرب)، الذي ينشر الديمقراطية بالحديد والنار ويسبغ على الشعوب نعمة حكم نفسها بنفسها، كان ينبغي له أنْ يجيب عن السؤال الآتي: لماذا لا تكتشف الولايات المتحدة وجود أعداء لها يجب القضاء عليهم، مثل الإرهابي أسامة بن لادن والطاغية المسلح بأسلحة الدمار الشامل صدام حسين، إلا حيث تكمن وتفيض الثروة النفطية، وحيث تقع ثروتها الاستراتيجية (إسرائيل)؟!!.

أهي (مصادفة تاريخية) أنْ يتركز (الإرهاب) و(الاستبداد) و(الخطر الذي يتهدد الأمن القومي للولايات المتحدة) حيث يتركز الاحتياط النفطي العالمي؟!

كان ينبغي لفوكوياما، قبل أنْ يسهب في الحديث عن المدينة (الأميركية) الفاضلة، وعن رئيسها الممتلئ بالطموح الديمقراطي، أنْ يحدّثنا عما يمكن ويجب أنْ تفعله القوة العظمى في العالم بعدما أدركت (الحقيقة الاستراتيجية والتاريخية المرّة)، وهي أنّها ستجد نفسها مضطرة، بعد عشر سنوات، إلى استيراد كل قطرة نفط تستهلكها. هل كانت هذه القوة، التي عقد لها التاريخ الزعامة العالمية والتي لديها من التفوق العسكري ما يشجّعها على فعل كل شيء بالحراب، ستجلس في هدوء واسترخاء منتظرة قيام الساعة، أي نضوب كل ثروتها النفطية، واضطرارها، بالتالي، إلى شراء أمنها القومي الاستراتيجي من السوق النفطية الدولية حيث لا سلطة تعلو سلطة قانون (العرض والطلب)؟!

القوة العظمى في العالم لم تكتشف أنّ نظام حكم صدام حسين شموليا وديكتاتوريا، ويملك مخزونا رهيبا من أسلحة الدمار الشامل ورغبة في توثيق علاقته بالجماعات الإرهابية، ويُعدّ مصدر تهديد جديا لأمنها القومي ولأمن مواطنيها الشخصي؛ ولم تكتشف أنّ إطاحته بالقوة العسكرية تعتبر ضرورة سياسية واستراتيجية قصوى، إلا عندما اكتشفت أنّ العراق يمكن أنْ يكون الدولة الأولى في حجم احتياطها النفطي، وأنّ كلفة استخراج النفط فيه هي الأدنى في العالم، وأنّ موقعه الجغرافي يكسبه أهمية استراتيجية لا مثيل لها في سعيها للسيطرة، ولإحكام السيطرة، على مصادر الطاقة المهمة في العالم، الذي ستزداد اقتصادياته اعتمادا على المصدر النفطي للطاقة، ولا يمكن، بالتالي، حكمه والتحكم فيه إلا عبر السيطرة الإمبريالية على هذا المصدر.

فوكوياما يعرف حق المعرفة هذا الدافع الواقعي الكبير والأكبر للتوسع الإمبراطوري الإمبريالي للولايات المتحدة؛ كما يعرف أنّ كل ما تدعيه الولايات المتحدة من حرص على نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي وعلى تمكين الشعوب من حكم نفسها بنفسها لا يشبه، في خداعه وتضليله، سوى الحركة الظاهرية للشمس، فالأيديولوجيا الليبرالية، التي يمجّدها هذا المفكر الأميركي، ليست سوى امتداد وهمي، خادع ومضلل، لسياسة تضرب جذورها عميقا في أرض المصالح النفطية للقوة العظمى في العالم.

إنّه يعرف كل ذلك؛ ولكن مهمته الأيديولوجية تقضي بجعلنا نجهل تماما كل ذلك الذي يعرف، فالاحتلال الأيديولوجي للعقل العربي، عبر فوكوياما وأمثاله من عرب وغير عرب، يجب أنْ يلازم، دائما، الاحتلال الواقعي الأميركي حتى نجد فيه تلك المعاني التي بسطها لنا، في مقاله، هذا المفكر الأميركي!