من أرشيف المحرر تموز/يوليو 1994

"أنتوني ليك": هذه هي أهدافنا ووسائلنا في الخليج.. النفط.. حرية المرور.. التسهيلات العسكرية.. وتوازن القوى..!

نظام أمني جديد يضم تركيا ومصر و(اسرائيل والسعودية)!.

"انتو ني ليك" كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي الأميركي للرئيس "كلينتون".. وبصفته هذه فهو المسؤول عن تنسيق السياسات الأمنية الخارجية لأميركا من خلال مجلس الأمن القومي الذي يضم ممثلين عن: وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، والمخابرات المركزية، وتصب في هذا المجلس مجموعة التقارير عن العلاقات الأميركية السرية منها وغير السرية، حيث تتم دراستها واطلاع "كلينتون" عليها بعد مداولات وملاحظات عن أهمية التحرك في أي من الاتجاهات التي يريدونها بما يخدم مصالح أميركا الاقتصادية وغيرها، ويشكل المجلس بصفته هذه جهاز الرئيس الأميركي لإدارة السياسة الأميركية في العالم.

وقد كتب "انتوني ليك" آنذاك مقالاً في مجلة (فورين أفيرز) السياسة الخارجية، يشرح فيه بعض الجوانب المعلنة للسياسة الخارجية الأميركية، وبخاصة تجاه العراق.. ولأهمية الموضوع فقد ارتأينا أن نقدم مقتطفات منه تشرح هذه السياسة وتكشف وجهها المصلحي القبيح الذي أطلت به على العالم بعد أن كان قبل (حرب الخليج الثانية) بحسب ما يسمونها في سياساتهم، ولكن بعد تلك الحرب العدوانية أسفر عن كل الوقاحة الاستعمارية صراحة دون خجل وبدون أي رادع من أي جهة كانت في العالم.

وإننا إذ ننشر في (المحرر) بأمانة صحفية ما كتبه مستشار الأمن القومي الأميركي، ويكاد أن يكون النص الحرفي شبه الكامل للمقال الذي يرسم سياسة أميركا في المنطقة العربية.

فإننا نعلّق بكلام بسيط وسريع على بعض النقاط التي وردت في عرض "ليك" لسياسة أميركا التي لم تعد تعرف غير منطق القوة والغطرسة إن في عهد "كلينتون" (الديمقراطي) الذي كان يشوبه شيء من الحياء الخارجي بينما كان في السر يعمل على تثبيت الصهاينة في إدارته الذين زاد عددهم عن (33) بسبب فضائحه الغرامية مع (مونيكا) ومن ثم قام بدوره في قصف بغداد والعراق عموما عدة مرات ممهدا الطريق لعهد (الجمهوريين) بقيادة بوش الابن لفرض السياسة الأمريكية بما يخدم مصالح الصهيونية العالمية وأرباب المال في العالم.

1 - يتحدث "انتوني ليك" بما لايدع مجالا للشك عن المصالح الأميركية في منطقة الخليج العربي، ويحددها بالنفط بيت كل القصيد، وحرية المرور، ويعرض بعد ذلك أفكاره من ثم يرسم سياسة اميركا وفق هذه المصالح.

2 - يتحدث مستشار الأمن القومي الأميركي في مقاله عما اسماه الدول الخارجة على القانون، ولم يقل لنا من أي قانون ينطلق وإن كنا فهمنا انه قانون المصالح الصهيونية الأميركية والعالمية.

3 -  قال "ليك" إن الدول التي أشار اليها ومنها العراق، (تعيش عقلية الحصار).. وقد خُيّل الينا أن العراق هو الذي يحاصر الولايات المتحدة الأميركية ويجيع أطفالها وشيوخها، ويحرمها من الغذاء والدواء والإحتياجات الأساسية للإنسان.

4 - وحين يتحدث مستر "ليك" عن اسلحة الدمار الشامل، يتجاهل شهادة الخبراء الذين زاروا وما زالوا يقومون بجولاتهم في العراق، وقد اعلنوا اكثر من مرة ان العراق لم يعد يمتلك شيئا منها، (مع الأسف الشديد).. وما لم يقوله المستشار هو ان العراق دفع وما زال يدفع ثمن موقفه والتزامه القومي العربي، ومشاركته في حرب تشرين/ اكتوبر 1973 دون ان يستأذن المخططين لتلك الحرب، واخيرا يدفع ثمن تقدمه وتطوره العلمي المرفوض من قبل اميركا والكيان المحتل لفلسطين العربية.

5 - يتحدث السيد "ليك" عن سياسة اميركية جديدة تجاه العراق وايران، ويضع لها عنوانا جديدا هو (الإحتواء المزدوج)، وبذات الوقت يقول انه لايثق بقدرة اميركا على الاحتفاظ بالوضع الحالي الى ما لا نهاية، ويقول ان اميركا لها القدرة على الاحتفاظ بالوضع الحالي فقط لبعض الوقت.. ويبدو كما فهمنا من وراء كلماته هذه ان كلمة بعض الوقت هي لضرورة انجاز تسوية الإستسلام العربي المطلق لأن العراق هو الوحيد الذي رفض علنا من خلال ما يسمى بجامعة الدول العربية الوجود الصهيوني على ارض فلسطين..

6 - يرسل "انتوني ليك" اشارات ايجابية الى ايران بالرغم من منطقه ولهجته التي يتحدث بها عن تلك الدولة، حيث لا يستبعد الحوار معها، ويخشى قليلا من ان يدفع العراق ضمن لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين الى التعاون المشترك فيما بينهم لمواجهة سياسة الاحتواء هذه. مع العلم أننا لانثق بالنظام الإيراني مطلقا في انه سيستجيب لمثل هذا التعاون مع دولة عربية لأن الحقد التاريخي الفارسي ضد العرب والمسلمين لايمكن ان يولّد مثل هذا التعاون، وبذات الوقت لنا عظات وعبرات من خلال حرب الخليج الثانية وموقف القيادة الإيرانية التي تخلت عن كل تعهد بينها وبين العراق ولذلك حديث منفصل.

7 - يتحدث المستشار عن الديمقراطية واوروبا الجديدة، التي تلتقي مع النهج الأميركي في هذا المجال.. ولكنه لم يخبرنا عن أي ديمقراطية يتحدث هل هي الديمقراطية الأميركية التي أدت الى حرمان الزنوج والهنود والاسبان من حقوقهم في الولايات الأميركية المتفرقة، ولا حق إلا لأميركان البيت الأبيض والكونغرس فقط.. في الوقت الذي تتفشى المخدرات والسرقات والرذيلة وكل انواع الجرائم ضمن الديمقراطية الأميركية التي تريد فرضها على العالم!..

وبما ان التعليق أردناه موجزاً قدر الإمكان فإننا ندخل الآن الى مقال مستشار الأمن القومي الأميركي "انتوني ليك".

نهاية الحرب الباردة الى نشؤ دول جديدة مستقلة في اوروربا الشرقية، تمتلك القدرة والرغبة في توسيع مجموعة الدول المؤمنة بالمؤسسات الديمقراطية والأُسَر الحرّة، بالإضافة الى رغبتها في ايجاد حلول سلمية للصراعات والعمل المشترك للسلام.. والولايات المتحدة الاميركية بسبب المصالح والمبادىء والمثل ملتزمة بتشجيع ذلك.

ولقد أكد الرئيس الأميركي "كلينتون" في خطابه السنوي "أن الإدارة الأميركية تصب جهدها من خلال سياستها الخارجية في هذا الاتجاه".

"في الوقت نفسه يتحتم على السياسة الأميركية أن تواجه بعض الوقائع المتعلقة بالدول الخارجة على القانون، والتي فضّلت البقاء خارج أسرة الدول المؤمنة بهذه المبادىء، والاعتداء عليها في بعض الأوقات، وهنالك بعض الدول المنبوذة مثل: كوبا، كوريا الشمالية، ايران، العراق، وقد تؤثر على نظام الديمقراطية العالمي إذا ما هي امتلكت الامكانيات التي ماتزال تفتقدها وهي بحاجة اليها لتصبح دول عظمى"..

"إن سلوك هذه الدول عدواني في بعض الحالات، ومتمرد في حالات اخرى".

"إن العلاقات بين هذه الدول تتزايد بسبب عدم قدرتها على مواكبة التيار العالمي وتبنيه".

"هذه الدول تمتلك عددا من القواسم المشتركة، فهي تشجع الايديولوجيات المتعصبة، ولا تمتلك القدرة على اقامة علاقات بناءة مع العالم الخارجي.. ولا تستطيع ان تعمل في اطار الأحلاف الدولية، وفي معظم الأوقات فإنها تبقى دفاعية، وهي معرضة للمقاطعة من المجتمع الدولي.. وأخيرا فإن هذه الدول تمتلك العقلية المحاصرة كقاسم مشترك ولهذا فهي تسعى الى امتلاك اسلحة الدمار الشامل من خلال برامج عسكرية طموحة، وتهدف من ذلك الى حماية انظمتها وتصدير افكارها خارج حدود بلادها"..

"ان الولايات المتحدة، الدولة العظمى الوحيدة، ملتزمة بشكل خاص بتنمية استراتيجية تعمل على تحييد هذه الدول واحتوائها"..

"ان كل دولة من هذه الدول تتمتع بتاريخ وظروف وحضارة خاصة بها، وتحاك السياسة الأميركية على هذا الأساس.. ولكن هناك قواسم مشتركة، وفي كل الأحوال فنحن نسعى الى إقامة التحالفات وحشد قوى عسكرية من اجل ردعها، ونقوم في بعض الأحيان باحتواء نفوذ هذه الدول من خلال العزل والضغوط، وفي بعض الأحيان من خلال تدابير اقتصادية ودبلوماسية.. وفي هذا السياق نشجع العالم على مشاركتنا جهودنا.. وعلى سبيل المثال فقد حققنا إجماعاً قوياً بالنسبة للعراق وليبيا، مدعوما بقرارات لمجلس الأمن".

"كما هو الأمر بالنسبة للعراق وكوريا الشمالية، فإن ايران تشكل تحديا جديدا لجهود الولايات المتحدة الأميركية في الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل.. وبسبب الحدود المشتركة بين العراق وايران، ووجودهما في منطقة الخليج حيث يوجد 65 في المائة من مخزون النفط العالمي فإن العراق وايران شكلتا صعوبة استراتيجية معقدة واجهت الإدارات الأميركية السابقة"..

"ن القاعدة الاستراتيجية ومبادىء السياسية الأميركية في الخليج مبنية على اسس اقامة توازن للقوى في المنطقة، بهدف حماية المصالح الأميركية فيها، بالإضافة الى ضمان أمن أصدقاء الولايات المتحدة، وحماية مرور النفط، مما يساعد على استقرار أسعاره".

العراق - ايران  

الإحتواء المزدوج!

ان سياسة الرئيس "كلينتون" تجاه هاتين الدولتين قائمة على أساس أنهما تمارسان سياسة عدوانية ضد المصالح الأميركية، لذلك حلت سياسة: الاحتواء المزدوج لهاتين الدولتين.. ولا يعني ذلك ان تتجاهل الولايات المتحدة ضرورة الإبقاء على التوازن في المنطقة، ونحن نسعى مع حلفائنا الاقليميين للحفاظ على هذا التوازن بدون العراق وايران.. ولقد ساعد الادارة الاميركية على انتهاج هذه السياسة معطيات لم تكن موجودة من قبل.

أولاً: لقد زال الاعتبار الاستراتيجي من حساباتنا مع نهاية الحرب الباردة، فنحن لم نعد نخشى من احتمال قيام السوفيات بربح بعض المواقع في منطقة الخليج، مستفيدين بذلك من سياستنا القائمة على دعم احدى الدولتين.. لقد تقلصت الأهمية الاستراتيجية لكل من العراق وايران بشكل دراماتيكي.

ثانياً: في السنوات العشر الماضية حصل نوع من توازن القوى في المنطقة، فانتصار العراق في حربه مع ايران قلّص من قدرتها الهجومية، وبعد عاصفة الصحراء، ووضع اسلحة الدمار الشامل تحت المراقبة، تقلصت قدرة العراق الهجومية ايضا.. وبدون مساعدة دولة عظمى فإن أياً من الدولتين لن يقوى على تحدي الولايات المتحدة.

ثالثا: نتيجة لحرب (الكويت) فإن دول التعاون الخليجي لم تعد مترددة في الدخول في ترتيبات امنية مع واشنطن مما اعطى القوة العسكرية الأميركية تسهيلات حيث ستبقى فرق عسكرية اميركية هناك، لمنع أي اعتداء من قبل هاتين الدولتين على دول الخليج.

واخيرا، فإن التيار العام في المنطقة ايجابي، وواشنطن تتمتع بدعم قوى أساسية فيها مثل: مصر، (اسرائيل)، تركيا، و(السعودية)، وقد أسهم التقدم في عملية (السلام) في الصراع العربي-(الإسرائيلي) في تعزيز موقعنا في العالم العربي وساعد حلفاءنا الاقليميين على تعزيز التعاون فيما بينهم، مما أسهم في عزلة العراق وايران، اضافة الى التقليل من قدرتهما على (استغلال الصراع العربي-الاسرائيلي) كوسيلة لتعزيز نفوذهما.. إن الحل السلمي الذي سعت وتسعى له الولايات المتحدة سوف يلغي قدرة العراق على المناورة في القضية الفلسطينية، ويسلب ايران قدرتها على تشجيع اضطرابات في لبنان.

وبشكل موجز، فإن ادارة الرئيس "كلينتون" واثقة من قدرتها على الحفاظ على الوضع الحالي لبعض الوقت، وذلك بسبب التفاهم مع القوى الاقليمية حول كيفية مجابهة الأخطار والتحديات المشتركة وكيفية التعامل معها.. وفي الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة على تعزيز الاتجاهات الايجابية، يجب ان نظل متنبهين لأية تطورات أو تغييرات.

إن سياسة "الاحتواء المزدوج" لايعني "الاحتواء المماثل"، فالهدف الأساسي للسياسة الحالية هو احتواء عدوانية بغداد وطهران.. ولكن الخطر الايراني يختلف عن الخطر العراقي، مما يحتم ضرورة ايجاد سياسة تتناسب مع نوع التحدي، فبالرغم من تجاور الدولتين فإن لهما تاريخا وحضارة مختلفين.. وبالنسبة لإيران مابعد الخميني فإن إدارة الرئيس "كلينتون" تعارض الحكومة الاسلامية وبذات الوقت لاتسعى الى قلب النظام!..

وفي الحقيقة فإن الادارة الحالية مستعدة للشروع في حوار مسؤول حول بعض التصرفات الايرانية التي تثير الاهتمام الاميركي.. بينما سياسة احتواء العراق تشكل تحديا يختلف كلياً عن سياسة احتواء ايران.. ففي الوقت الذي يبدو فيه العراق مستعدا للتعاون مع بعثات الأمم المتحدة، فهو مازال يسعى سرا للحصول على وقود للصواريخ.. وقد فشل حتى الآن في اعطاء المعلومات الكاملة المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، ولذا فليس من المستغرب ان يتم تجديد العقوبات المفروضة عليه كل ستين يوماً من دون مناقشة.. ومؤخرا يبدو ان العراق قرر تغيير موقفه من بعثات الامم المتحدة وذلك من خلال قبوله لقرار مجلس الأمن رقم (715 ) القاضي بفرض برامج مراقبة طويلة الأمد لمصانع اسلحة الدمار الشامل.. لكن هذا حصل في الوقت الذي مازال فيه العراق يرفض الاعتراف بسيادة وحدود (الكويت).. وهنالك بعض الأدلة التي توحي بأن هدف العراق من التعاون مع قرارات مجلس الأمن هو رفع الحظر النفطي وتصديره، وفي هذه الحال فإن واشنطن تخشى من ان يعود الى رفض قرارات مجلس الأمن.. لذلك فإنه قبل القبول برفع الحظر، يجب ان تتوفر درجة عالية من الثقة بأن العراق سوف يتقيد بقرارات مجلس الأمن الى اجل غير مسمى، وهذا التقيد لايكون فقط باحترام الشروط التقنية..!

اما بخصوص ايران فإنها تشكل خطرا أقل وأعظم في الوقت نفسه، وعلاقة طبيعية مع ايران محتملة اذا مابرهنت على احترامها القوانين والاعراف الدولية، وتخلت عن سياستها التي تهدد الاستقرار في المنطقة.

وفي ذات الوقت هنالك بعض الخلافات السياسية التي ليس حلها سهلا.. فإيران دولة (ثورية)، وما زالت تختزن شعورا عميقا بسبب التقارب الاميركي مع الشاه.. والرسائل والتصريحات تعبر علنا عن عدوانية موجهة الى الولايات المتحدة الاميركية، وهذا الواقع السياسي هو الذي سوف يحدد مستقبل العلاقات.. إن التوافق مع ايران يبقى خيارا ايرانيا.

وان الخلاف الاميركي مع ايران لايصب في خانة الصراع الحضاري أو معارضة ايران كدولة دينية، فواشنطن ليس لها موقف من البعد الاسلامي للجمهورية الاسلامية في ايران، والرئيس "كلينتون" قال إن لديه الكثير من الاحترام العميق للإسلام وللحضارة الإسلامية.

ولكن الولايات المتحدة معنية بالتطرف سواء كان دينيا أم علمانيا.. والولايات المتحدة يعنيها من ايران تصرفها وسياستها.. ايران تسعى بشكل سري للحصول على اسلحة ذرية واسلحة الدمار الشامل، بالاضافة الى سعيها للحصول على صواريخ بعيدة المدى، وايران من اكثر الدول مساندة للإرهاب والاغتيالات في العالم.. وهي تعارض بشدة عملية السلام بين العرب و (اسرائيل)، وتسعى لتقويض حكومات صديقة للولايات المتحدة الاميركية في مختلف انحاء (الشرق الاوسط) وبعض المناطق في افريقيا.. كما ان ايران تحاول بناء قدرة هجومية لتهدد الدول الصغيرة في الخليج.. بالاضافة الى ان سجل ايران في معاملة مواطنيها، وبخاصة النساء والأقليات الدينية، مثير للإزعاج العميق.

وبالرغم من كل تلك التحديات فإن ادارة الرئيس "كلينتون" تواجه مهمة أقل صعوبة من تلك التي تواجهها و واجهتها مع العراق، وذلك لأن برامج التسلح في ايران مازالت في مراحلها التمهيدية، وهناك فرصة لمنع ايران من ان تكون خلال خمس سنوات مثلما كان العراق منذ خمس سنوات..

ان الادارات الاميركية السابقة تعمدت ان تساعد بعض العناصر المعتدلة في ايران، وقد تعلمنا من خلال تلك التجربة، ان العناصر المسماة معتدلة في ايران، هي التي تقوم باتباع سياسة غير مقبولة.. فسؤ الإدارة في الاقتصاد الايراني، بالاضافة الى تدهور اسعار النفط، أديا الى تفاقم الوضع الاقتصادي هناك.. لذلك فالسياسة الاميركية تعتمد بشكل كبير على التنسيق الدائم مع الدول الصديقة.. لمواجهة ايران، التي يجب ان تسمع الرسالة ذاتها من الدول الغربية.. وبخاصة تلك الدول التي تسعى ايران جاهدة لإقامة علاقات تجارية واسعة معها.

وقد حققنا بعض الاجماع الدولي بيننا وبين السوق الاوروبية واليابان وكندا تجاه السياسة الايرانية.. فإيران لا تبدو عنصرا تجاريا مهما بسبب التضخم الذي يبلغ ثلاثين في المائة، مع ديون تبلغ ثلاثين مليار دولار، وفوائد سنوية مستحقة تبلغ خمسة مليارات دولار.. وهذا ماساعد الولايات المتحدة على اقناع الدول الاوروبية بعدم جدوى التعاون مع ايران.

ولمواجهة التحدي الايراني الساعي الى الهيمنة على الخليج، تقوم واشنطن بالتنسيق مع الدول الصديقة لمنع ايران من شراء مواد ضرورية لبرامجها الذرية والكيماوية، وقطع الطريق على ايرادات ايران من قطع العتاد الضرورية لتطوير صناعة الصواريخ.

لقد علمتنا التجربة ان اقامة علاقات ومنح تسهيلات تجارية لايران، ومنحها القروض لايفيد في تغيير سياستها.. ان السياسة الفعالة هي السياسة المنتظمة.. ومع ذلك كله اكرر نحن لانستبعد حوارا مسؤولا مع ايران، لأنه لايوجد تناقض مابين سياسة الضغط والحوار. ولكن هناك ثمّة بعض الخطورة التي قد تنتج عن سياسة الاحتواء المزدوج، وهي دفع ايران والعراق الى التقارب في مواجهة الغرب، وبالفعل فقد بدأ العراق وايران مؤخرا بالتنسيق، ولو بشكل محدود بالرغم من الخلافات بينهما.. ولكن هذا التقارب سيظل محدودا، لأن كل منهما غير مستعد لمساعدة الآخر ليصبح قوياً..

كما ان هنالك بعض الخطر الذي قد ينجم عن سياسة الاصرار على تطبيق قرارات مجلس الأمن، مما يسمح لايران ان تلعب على ذلك.. فالكل يعرف بأن محاولات ايران متواصلة من اجل التقرب من شيعة العراق، بالاضافة الى التدخل لصالح اكراد العراق.. ولكن هذه تبقى محاولات.. لأن شيعة العراق حافظوا على هويتهم ورفضوا الخضوع للتأثير الايراني.. اما بالنسبة للأكراد فإن سياسة ايران تقوم على اضعاف الحركة الكردية الانفصالية داخل ايران نفسها، وليس العمل على تشجيع اكراد العراق في الشمال.

ان سياسة الرئيس "كلينتون" هي سياسة واقعية تأخذ بالحساب المصالح الاميركية والواقع على الارض في منطقة الخليج!.