دور إيراني في العراق يحتاج إلى تفسير

رشاد أبو شاور/كاتب فلسطيني يقيم في الأردن

في ختام اجتماع مجلس الوزراء الإيراني يوم الأربعاء 2 تموز، صرّح الرئيس الإيراني محمد خاتمي بأن (بقايا النظام السابق مع بعض المجموعات المتطرفة تقف وراء المشاكل التي تحصل في العراق...)!!. ولم يكتف الرئيس الإيراني المعتدل والإصلاحي بهذا بل أضاف ما يفضح طبيعة الدور الإيراني في العراق، وفي نفس التصريح للصحافيين بأن (الشيعة) العراقيين يتصرفون بشكل جيّد وعقلاني!، ثمّ وجه كلامه لقادة أمريكا وبريطانيا: في حال سلّمتم السلطة للعراقيين فسترون أن المشاكل ستحّل.
يقسّم خاتمي الشعب العراقي العربي إلى (شيعة) وسنّة، وينتزع الشيعة من انتمائهم العربي ليعزلهم في إطار طائفي، ويسمح لنفسه بالنطق باسمهم، والإيحاء بأن توجههم يتقرّر إيرانياً، وأنه قابل للمساومة.
وهو يصف سلوكهم (الشيعة) بالعقلاني، لأنهم لا يشاركون في المقاومة التي يرى أن (بقايا النظام) السابق، وبعض المتطرفين يقومون بها!، وبهذا يبعث (برسائل) في أعقاب زيارة أحد أبرز عتاة المحرضين على الحرب التي شنّت على العراق، أقصد وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، الذي استقبله الرئيس خاتمي بحفاوة، وأجرى معه مباحثات حول (الأوضاع) في العراق، وبرنامج التسلح النووي الإيراني.
ينكر الرئيس الإيراني على عرب العراق حقّهم في المقاومة، وتراثهم المقاوم، ويصف مقاومتهم بأنها تطرّف!، وهو بالتأكيد تحدّث مع ضيفه وزير خارجية بريطانيا حول (العقلانية) ـ وهي عقلانية الفضل فيها لحكّام إيران ـ في جنوب العراق حيث القوّات البريطانية التي لم يقتل منها حتى الآن سوى عدد محدود من الجنود، هم الذين سقطوا في (المجر الكبير)، وهي العملية التي قتل فيها ستة جنود بريطانيين والتي أدانها قائد (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) الذي كان يعسكر مع قوّاته (قوّات بدر) في إيران إلى أن عاد برضى قوّات الاحتلال البريطانية والأمريكية، لمواجهة الاحتلال بمقاومة سلمية، وكأنه فجأة صار (غاندي) العراق.
تصريحات خاتمي تكشف دور إيران في تعطيل صدور فتاوى من رجال الدين الشيعة في العراق تحض على مقاومة الاحتلال، لأن قادة إيران يطرحون دور (شيعة) العراق للمساومة مع الإدارة الأمريكية، وهم يتوهمون أن إدارة بوش والصهاينة يمكن أن تفسح المجال لاستفتاء حر يمكّن الشعب العراقي من اختيار قياداته، والاتفاق على دستور جديد للعراق، وبناء جيش ومؤسسات وطنية، ووضع اليد على الثروات العراقية وفي مقدمتها النفط.
هل تتوهم القيادة الإيرانية ذلك؟! أي أن تصل قيادات دينية (شيعية) إلى سلطة عراقية، يكونون فيها مركز الثقل، والترجيح؟!
ربّما لا تتوقع ذلك، ولذا فهي جاهزة للمساومة، والوصول إلى حلول وسط مع الإدارة الأمريكية، مقابل عدم الاعتداء على إيران، وغض النظر عن البرنامج التسليحي الإيراني، فهل هذا ممكن؟ أم أنه يدلل على قصور نظر؟.
من قبل أسهمت القيادة الإيرانية في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، فماذا كانت الحصيلة ؟هل منحها الأمريكان (حصّة) في أفغانستان؟ أم أن أمريكا نفسها تغرق الآن في أفغانستان، وإيران لم تفز بغير عار التآمر، والتخلي عن المبادئ والقيم التي بشّرت بها؟!.
ما صرّح به خاتمي عن (مشاكل) في العراق يتناقض مع تصريحات الجنرال الأمريكي المتقاعد دان كريستمان المخطط السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، والتي يعترف فيها بأن: الحرب دخلت مرحلة جديدة مزعجة، مرحلة حرب عصابات، وعلينا أن نتواءم مع الوضع.
ويضيف الجنرال كريستمان: جيشنا واقع تحت ضغط، ويجب أن نتصل بكل البلاد التي عرضت إرسال قوّات.. بنغلادش، باكستان، الهند، حلف شمال الأطلسي.. ولست أدري لماذا لم نوافق على عرض الحلف؟
خاتمي ينطلق من مصلحة إيران، بالمفهوم الضيّق القومي والطائفي، ولذا فهو يخشى انتشار المقاومة العراقية، واتساع رقعتها، والتفاف الجماهير العربية والإسلامية حولها، بل وتأييد كل من يعادي الهيمنة الأمريكية في العالم، ويرفض احتلالها وخروجها على الشرعية الدولية.
هنا لابدّ أن نذكّر السيد خاتمي بأن التواجد الأمريكي البريطاني على أرض العراق هو احتلال كما وصفته الأمم المتحدة، وهو احتلال شرس، وحشي بممارساته، وبما يبشّر به. والاحتلال يستوجب المقاومة، والمقاومة عقلانية، وأخلاقية، وهي (جهاد) في المفهوم الإسلامي الذي لا يخضع للمذهبية، والجهاد فرض عين على كل قادر، والمقاومة قيمة إنسانية يمارسها كل واع وشريف ومدرك عقلاني التفكير والخيار.
في تصريحات الرئيس خاتمي وصاية على عرب العراق المسلمين (الشيعة) وتحقير لعرب العراق (السنّة)، وهو ما يجب التنبّه له على المستوى العراقي، والجماهيري العربي، وحتى الإسلامي، لأنه شق للصفوف، وزرع للخلافات، وتمكين للمحتلين الغزاة من تنفيذ مآربهم.
ينسى السيد خاتمي أن إيران ليست أمّةً واحدة، وأنها تتكوّن من فرس، وتركمان، وأكراد، وأذربيجانيين، وعرب، وأقوام أخرى، وأن ديانة الغالبية الساحقة هي الإسلام على المذهبين الشيعي والسنّي. فهل يتعامل السيد خاتمي مع واقع حال إيران بنفس التفكير الذي يصدّره للعراق؟ هل السنّة في إيران يتلقون التوجيهات من تركيا ذات التاريخ السلطنة والخلافي ـ نسبة للخلافة وليس للخلافات ـ والتي يقودها هذه الأيام حزب ديني سنّي؟!.
الشيعة والسنّة ينتمون لدين واحد، ونحن لسنا بصدد سرد خلفيات الاجتهادات، ولكنني أذكّر السيد خاتمي بأنه انتخب لأنه إصلاحي، وأنه في صراع مع (المتشدّدين) من القادة ورجال الدين، وأن الرأي العام في إيران متباين، متصارع، وهو ما تشهد عليه تظاهرات الطلبة، ومطالبة الأعراق غير الفارسية بحقوقها ليس على أساس الانتماء للمذهب الشيعي أو السنّي، ولكن بسبب الحقوق، والمصالح، والانتماء القومي.
تناغم تصريحات السيد خاتمي مع تصريحات بعض رجال الدين في العراق، وبخاصة الموالين لإيران لا يمكن تفسيره بغير التكتيكات السياسية غير المبدئية، والتي لا تبالي بشق الصفوف في العراق وإيران نفسها، وهي تصريحات وممارسات تضعف تمدّد المقاومة في العراق، وتكشف ظهر الشعب الفلسطيني، وتمكّن أمريكا والكيان الصهيوني من الاستفراد بالفلسطينيين، والتلويح التخويفي لـ(حزب الله) في لبنان، ولسورية.
تضل إيران من جديد الطريق لحماية نفسها ـ أخطأت في أفغانستان، وتأريث التناحر في العراق ـ وتتسبب بالخسائر لمن تدّعي أنها معنيّة بأمنهم، ويتداخل في سياساتها سوء تقدير، وتصفية حسابات تاريخية بدلاً من مد اليد للعرب المقاومين، وطمأنة جيرانها في الإمارات بإعادة الجزر، أو التوصّل إلى حل عادل باللجوء لمحكمة العدل الدولية كما فعلت قطر والبحرين.
حتى لا تنجح سياسة ضيق الأفق الإيرانية لا بدّ أن تمتد المقاومة لتبسط حضورها على كل ارض العراق المحتلة، وبهذا يرسي العراقيون أساسات ومداميك مستقبلهم بعيداً عن الطائفية، والفردية، ويسهمون في صون وحدة وطنهم واستنهاض روح المقاومة على امتداد كل بلاد العرب، وهو ما سيرتد نفعاً على إيران قبل غيرها، وما سيصون إسلامية وعروبة القدس، وما أنجزته المقاومة في لبنان بقيادة (حزب الله)، ويقوّي من موقف سورية التي تدّعي إيران حرصها على أمنها.
بكلمة أخيرة: تصريحات السيد خاتمي فيها تطاول على العرب كأمة، وهي إهانة للعراقيين الشيعة لأنها توحي بأنهم يتلقون تعليماتهم وأوامرهم من إيران، ناهيك عن الإساءة للمقاومة العراقية والتآمر عليها، وهو ما ينبغي الرد عليه.