صور
على الحيطان
رشاد
أبو شاور/روائي فلسطيني يقيم في الأردن
لم يلصق شعب في تاريخ
البشرية المعاصر ـ أقول المعاصر لأن البشرية
لم تكن قد اكتشفت الطباعة، والكاميرات،
وصناعة الملصقات، وأساليب الإعلام، والإعلان
ـ صوراً علي الحيطان كما فعل الشعب الفلسطيني!
على حيطان صبرا وشاتيلا، حيث ما زال هناك
فلسطينيون يعيشون أيامهم النكدة، يحملون
السلاح، ويشتغلون أعمالاً شّاقة هي المسموحة
لهم، ويؤمنون بأنه لا بدّ من العودة إلي
فلسطين مهما طال الزمن..
أم ناظم، التي حدّثتكم عنها في كتابي آه يا
بيروت، أم الشهداء الثلاثة، ما زالت في
شاتيلا، تعيش في غرفة واحدة، نظيفة، فراشها
بسيط، تشعل سيكارة وتضحك، وهي تردّد: إحنا
وراهم والزمن طويل!.. نعم شعبنا سيبقي يلاحق
أعداءه طيلة الزمن، ولن ينقطع نفسه، رغم
انقطاع نفس قلّة قليلة..
قبل أيام كنت أشارك في ندوة عن الذاكرة
الفلسطينية، فإذا بواحد دكتور قضّى أيامه
متسكعاً لا حمل بارودة، ولا سار في تظاهرة،
ولا زار قاعدة فدائية، ولا شارك في حمل نعش
شهيد، و.. درس على حساب الشهداء، والأسرى،
والأمهات اللواتي قدّمن الشهداء، الصابرات
المؤمنات، كأم ناظم، وشمّ الهواء، وانبسط وهو
(يشرح) لضيفاتنا الأوروبيات، المتحملات عبء
المعاناة للتضامن مع الشعب الفلسطيني (أيام
بيروت بخاصّة)، جوانب المأساة، وأعماقها ـ هو
مولع بالجوانب والأعماق، والتعرية!. من
عباراته الأثيرة: التعرية للحقيقة والتاريخ..
ولكن أين كانت تتم التعرية؟! نتركها للحقيقة
والتاريخ.. ذلك الدكتور أدهش الحضور بتساؤله
الاستنكاري: هل من المعقول أن تطالبوا
بالعودة إلى لوبيا، وصفورية، و.. أم الزينات،
أسماء قرى فلسطينية، و.. ذكرين (اسم قريتي) بعد
55 سنة؟! لنكن واقعيين! (لا شكّ أنه يذكّركم
بسرّي للغاية.. نسيبة!)..
هنا سألته:
ـ وهل من الواقعية، والعقل، والمنطق أن يطالب
(اليهود) (بالعودة) إلى فلسطين التي يسمونها
أرض الميعاد بعد ألفي سنة، هي عمر أكاذيبهم
وأساطيرهم؟ أستاذنا الراحل صالح برانسي أحد
أبرز مؤسسي حركة الأرض في فلسطين المحتلة عام
48، والذي قضى سنوات طويلة في زنازين وسجون
الاحتلال قال لي ذات لقاء: أنا أجلس في (الطيبة)
عاصمة المثلّث، جارة طولكرم، تحت تينة
وزيتونة زرعهما أبي وأمي، وآكل من ثمارهما،
فلماذا أيأس؟ اليهود يطالبون بوطني، ويعيشون
على الأساطير والأوهام، وأنا مطلوب منّي
التنازل عن وطني بحجّة الواقعية؟!
ولأن شعبنا لا ييأس فهو يخوض المعارك الواحدة
تلو الأخرى، داخل الوطن وخارجه، تحت الاحتلال
وفي المنافي.. وفي كل معركة يضيف صوراً جديدة
على الحيطان! ليس داخل فلسطين، ولكن على حيطان
مخيماته في المنافي!
في مخيم عين الحلوة، وصبرا وشاتيلا، ومخيم
اليرموك قضيت ساعات وأنا أتأمل صور شهداء
العروبة والحريّة من شباب فلسطين الذين سقطوا
على ثرى العراق العربي المسلم العريق!
لم يكونوا بعثيين، لا يستطيع واحدهم تركيب
جملة عن الخلاف بين سيدنا علي و.. معاوية، لا
يعرفون الفرق بين السنة والشيعة، ولا خطر
ببالهم أن أدلاء القوات الأمريكية،
والمارقين، وكارهي العراق العربي سيطلقون
عليهم النار من الخلف!.. ولذا كانت فجيعة من
بقوا أحياء كبيرة. لقد عرفوا متأخرين أن
الولاء للطائفة هو قبل الولاء للوطن، وأن
الخيانة ليست لها هويّة مهما تزيّت بالأردية
الدينية، وشعارات الديمقراطية والحريّة!
هل سمعتم بعبد الرحمن جمال عمر؟! شاب فلسطيني
هبّ كالعاصفة تاركاً أسرته، وأحلامه في مخيم
اليرموك، وتوجّه إلى العراق لمقاتلة
الأمريكان والإنكليز ـ منذ طفولته المبكّرة
حدثه والده عمّا فعله الإنكليز بالفلسطينيين،
وتآمرهم على فلسطين ـ و.. أصيب بجراح في معركة
المطار، فنقله رفاق السلاح محاولين إنقاذه..استشهد
يوم 5 أيّار/مارس متأثرا بجراحه البدنية
والنفسية! ولقد شيّع من جامع (الوسيم) في شارع
اليرموك!
الشهيد محمد محمود هدروس ابن جيراننا في
المخيم، حيث عشت لسنوات، توقّفت أمام صورته
على الحيطان، قرأت انه استشهد على ثرى العراق
برصاص القوّات الأمريكية!
آه يا محمد كم أتذكرك وأنت طفل صغير تلعب مع
أصحابك بالكرة، فأخرج لكم واطلب منك أن تقنع
أصحابك باللعب تحت أشجار الزيتون حتى أتمكن
من الكتابة، وأنت تردّد بأدب: نعم عمي .. حاضر،
تكرم عمي أبو فهد!
كيف كبرت هكذا بسرعة، وصرت شاباً، و.. أين
تعلمت حمل السلاح؟! لقد تركت (نفوتيه) كانت
تدّر عليك دخلاً يكفي لعيشة مريحة فأنت ثائر
ولست مرتزقاً كما يتهمك المخمورون في حانات
أوروبا!..
وأنت يا عيسى خزاعي جمعة، ماذا تعرف عن العراق؟
هل زرت بغداد من قبل؟! أم تراك رأيت أيها الفتى
العربي الفلسطيني أن الدفاع عن بغداد هو دفاع
عن الأمة، وأن إطلاق الرصاص على الغزاة
الأمريكان والإنكليز موجّه تماماً إلى قلوب
الصهاينة؟!
من أين لك أن تعرف أن الطائفي المريض،
والعسكري الخائن لوطنه وشرف السلاح، واحد
سيطلق نيران بندقيته على ظهرك، والآخر
سيترككم في الميدان ويلوذ بالفرار؟!
وعيان متناقضان، وعي الانتماء لفلسطين
والعروبة، ووعي زائف ترسّخ عبر حقب بتّ
أتباعه من تراب وطن أنجبهم!.. وكان عليك أن
تنزف يا عيسى هناك برصاص الغزو، والجهل،
والخيانة.. هكذا دائماً نموت نحن الفلسطينيين
فداءً لأمة تنخرها الأمراض.
يا عيسى لك من اسمك نصيب، فهناك صلبت، وكللت
بالشوك، جزاءً وفاقاً على إيمانك بالحرية
لوطن عربي واحد، لا لطوائف، وملل، ونحل، ولا
لحزب، أو حاكم فرد.. فأنت أكبر من كل هذه
الترهات، والأباطيل، أنت المعافى بثقافة
ترسّخت في روحك، وعقلك، رضعتها مع حليب الأم،
ومناخ الشهادة والبطولة..
وأنت يا من عدت من العراق فلذت بالصمت ـ لن
أذكر اسمك ـ وكنت تصغي لأسئلتي وأنت تستغفر
الله، وتهز رأسك.. وملامح الحزن تفيض على وجهك،
وبعد لأي تنطق بجمل قليلة:
ـ رجال القبائل العربية ساعدونا في العودة،
إنهم كرماء، شرفاء، شهمون، حاولوا التخفيف
علينا، ووعدونا بأيام مقاومة آتية، وقالوا
لنا: نحن لسنا أقل منكم رجولة، ستستمعون عنّا
ما يشرّف، ويرفع رؤوسكم، ويجعلكم لا تندمون..
وقد نلتقي في الميدان!
أنت ذهبت إلى هناك وفي ذهنك أنك لن تحظى حتى
بملصق، لأنك لم تخبر والديك بقرارك حتى لا
يؤثرا عليك بعواطفهما وشيخوختهما..
ما الذي دفعك للتوّجه للعراق وأنت صنايعي جدع،
والمال يسيل بين يديك، وما كنت حزبياً لتذهب
وتدافع عن حزب، ومن جيبك دفعت تكاليف رحلتك،
ومررت بـ(الفلوجة) ووصلت بغداد، ولم يثنك دخول
الأمريكان بالخيانة إلى أحيائها العريقة
ودون مقاومة!.. يا للعار!
الفلسطيني اللاجيء، والسوري البسيط،
واللبناني الذي ترعرع في مناخ المقاومة،
والمصري، والتونسي، واليمني، والسوداني،
والأردني.. يهبون للدفاع عن بغداد بينما (يخونون
الخائنون بلادهم).. بالمال، والجهالة،
وشعارات الديمقراطية!.
الصور على الحيطان، لا يمكن مسحها، فهي صور في
القلوب، مع صور أبطالنا الاستشهاديين،
والمقاومين على ثرى فلسطين.. فكل أرض عربية
تحتل هي فلسطين.
وليست تنال من جراحك، ولحمك المزروع في ثرى
العراق اتهامات مخموري الحانات الذين لن
يعودوا إلى بلد أنجبهم.. يغرقه لبن وعسل
ديمقراطية الأمريكان بالدم ليتجرعوا الكؤوس،
لا ليقاوموا مع المقاومين العراقيين...!!