الهدنة الفلسطينية بين التحرش الأميركي والاستفزاز الصهيوني
رياض
أبو ملحم/كاتب عربي يقيم في باريس
لاحظ
العديد من المراقبين ان التصريحات العنيفة
التي يدلي بها الرئيس الأميركي جورج بوش
وأركان إدارته: كولن باول وكونداليزا رايس
وبول وولفويتز.. وآخرون في شأن القضية
الفلسطينية تثير المزيد من التوتر والقلق
والمخاوف في الوقت الذي يخوض الجانبان
الفلسطيني و(الاسرائيلي) تجربة جديدة لتهدئة
الموقف بينهما والتمهيد للعودة إلى طاولة
المفاوضات.
ويتساءل
هؤلاء المراقبون عما إذا كان تحريض
الفلسطينيين هو الأسلوب الأنسب لإيجاد
المناخ الملائم لتطبيق (خريطة الطريق) وجعل
اتصالات ومفاوضات الطرفين المتصارعين
الفلسطيني والاسرائيلي ذات معنى وقادرة على
تحقيق نتائج ملموسة تؤدي إلى حل جذري للصراع
القائم. وإذا كنا قد أدركنا تماما ان الحكومة
الاسرائيلية ترفض (خريطة الطريق) من أساسها
وبكل بنودها، لأسبابها ودوافعها المعروفة،
فهل ينطبق ذلك أيضا على الإدارة الأميركية،
صاحبة هذه الوثيقة وحاملة لوائها؟
من
متابعة مواقف واشنطن الراهنة حيال الشعب
الفلسطيني يتضح ان الإدارة الأميركية تركز
اهتمامها على ما تسميه (مكافحة الإرهاب) وليس
على الوسائل المناسبة لإزالة الصراع العربي ـ
(الاسرائيلي).
ويستنتج
المحللون من ذلك ان (خريطة الطريق) برغم
اعتبارها وثيقة دولية تشارك فيها أطراف دولية
ثلاثة إلى جانب الولايات المتحدة هي روسيا
والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لا تمثل
بالنسبة للإدارة الأميركية سوى مدخل لبلوغ
هدفها الأصلي أي (مكافحة الإرهاب) بغض النظر
عن مواقف شركائها المفترضين من جهة وبغض
النظر عما يمكن ان يفضي اليه هذا التحرك
الواسع على صعيد المهمة المعلنة من جهة أخرى.
وأمام
هذا الواقع من الطبيعي ان يتطابق الخطاب
الأميركي مع الخطاب (الاسرائيلي) سواء في شأن (خريطة
الطريق) أو في شأن كيفية التعامل مع
الفلسطينيين بل اكثر من ذلك فإن الخطاب
التحريضي الأميركي اصبح دافعا لمزيد من
التعنت والتهديد في الخطاب والممارسة
الاسرائيلية، هذا في الوقت الذي يطالب
الجانبان الآخر الفلسطينيين باتخاذ إجراءات
حاسمة لوقف (التحريض الفلسطيني) ضد (اسرائيل).
بوش
وحب (اسرائيل)!
يقول
الرئيس جورج بوش ان هناك أناسا يكرهون (اسرائيل)
ويكرهون فكرة السلام معها وهو بذلك يحاول ان
يخرج المشكلة من سياقها التاريخي والسياسي
ويعطيها معنى مجردا أو يدخلها فيما يمكن ان
يسمى (اللامعنى).
فمن
ناحية المبدأ كيف يجب على الفلسطينيين ان
يحبوا أولئك الذين استولوا على أرضهم
وأخرجوهم بالقوة من ديارهم وشردوهم في كل
أصقاع الدنيا، ثم عملوا على إلغاء وجودهم
المعنوي بإنكار هويتهم الوطنية والتاريخية
كما يحاولون بدأب لا مثيل له إلغاء وجودهم
المادي أيضا اما عبر وسائل الترحيل الجماعي
والفردي أو عبر وسائل التصفية الجسدية
المباشرة وغير المباشرة.
اما
من ناحية الواقع، فإن الرئيس بوش لا يتوقف
أبدا عند دور الاحتلال (الاسرائيلي) في هذه
الإشكالية التي تشغله وكأن الاحتلال وعمليات
القتل والتدمير التي تمارسها القوات
الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني يوميا، من
ذاك النوع الخاص (الاستثنائي) الذي ينبغي ان
يحبه الناس ويدافعون عن بقائه واستمراره.. إلى
الأبد!!
إلى
ذلك فإن خطاب الإدارة الأميركية يركز حاليا
على مسألتين:
ـ
المسألة الأولى تفكيك منظمات المقاومة
الفلسطينية ونزع سلاحها وتتخذ هذه الرغبة
الجامحة بشقيها الأميركي و(الاسرائيلي) دعوة
صريحة لتفجير حرب أهلية فلسطينية بذريعة
تمكين السلطة الفلسطينية من تنفيذ
التزاماتها في المرحلة الأولى من (خريطة
الطريق) حتى يصبح في الإمكان الانتقال إلى
بنود المراحل الأخرى.
وفي
هذا الشأن يقول رئيس (الاستخبارات
الاسرائيلية - شاباك) (آفي ديختر) ان "للجيش
ليواصل إعادة انتشاره إلا إذا بدأت السلطة
الفلسطينية في مواجهة مسلحة مع التنظيمات
الفلسطينية وجمع أسلحتها"، وأضاف موضحا أن
"أمام السلطة الفلسطينية أسبوعين إلى
ثلاثة أسابيع لبدء نزع أسلحة الفصائل
الفلسطينية".
لكن
رئيس الحكومة الفلسطينية محمود عباس يبدو
اكثر تفاؤلا حيث يتوقع ان تنسحب القوات (الاسرائيلية)
إلى خطوط العام 2000 (قبل انفجار الانتفاضة)
خلال أربعة إلى ستة أسابيع وفي حين أعلن خلال
اجتماعه مع رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل
شارون الأسبوع الماضي انه "لا سبيل للتقدم
إلا بالحوار والمفاوضات" أكد الأخير ان "لا
تسوية مع الإرهاب، وأن اسرائيل ستواصل
محاربته حتى الهزيمة المطلقة". وقال مضيفا:
"لن يكون هناك سلام مع الإرهاب" وإزاء
ذلك يمكن الاستنتاج ان الطرفين يتكلمان لغتين
مختلفتين بل متناقضتين ما يعكس في حقيقة
الأمر تناقض أهدافهما الاستراتيجية.
ـ
اما المسألة الثانية فتتعلق ببث أفكار هدفها
إضعاف الروابط التي تشد المجتمع الفلسطيني
إلى منظمات المقاومة وذلك انطلاقا من قناعة
مفادها ان الفضل في نجاح الانتفاضة
الفلسطينية وقدرتها على الصمود الطويل، إنما
يعود إلى المساعدات التي تقدمها دول عربية
وإسلامية وقوى داعمة أخرى عبر منظمات
المقاومة ومن خلال بعض المشاريع الصغيرة التي
تنفذ في الداخل لتوفير مداخل متواضعة لآلاف
المواطنين المحتاجين ولإعالة أسر آلاف آخرين
من الشهداء والأسرى والمقعدين.
وتأمل
الإدارة الأميركية ان تواجه هذه المسألة
الحساسة عبر وسيلتين:
الأولى
تخفيف مصادر الدعم والتبرعات والتي تتلقاها
منظمات المقاومة والجمعيات الخيرية المتفرعة
عنها وهو ما تفعله الآن من خلال الضغط المكثف
على الدول العربية والاسلامية أولا وعلى
الاتحاد الأوروبي ثانيا. بيد ان الأخير رفض
هذه الضغوط ومازال يقاومها اقتناعا منه بأن
إحداث خلل مجتمعي كبير لدى الجانب الفلسطيني
يؤدي إلى المزيد من العنف وليس العكس. وهذا لا
يساعد على تحقيق التسوية السلمية المطلوبة بل
انه يحدث العكس تماما كما أثبتت تجارب
الأعوام الماضية.
اما
الوسيلة الثانية فقد ظهرت على شكل تلويح
بتقديم مساعدات مادية إلى السلطة الفلسطينية
تقدر بنحو مليار دولار لاستخدامها في إعادة
تجديد البنى التحتية التي دمرتها (اسرائيل)
خلال السنوات الثلاث الماضية والتعويض عن
المساعدات التي تقدم إلى الفلسطينيين عبر
منظمات المقاومة وهو الأمر الذي تعتقد إدارة
بوش انه يقود إلى تمزق داخلي يجرد الفصائل
الفلسطينية من جماهيرها ومصادر قوتها
الأساسية.
الدعوة
إلى مواجهة فلسطينية
وفوق
ذلك فإن الإدارة الأميركية لم تخف رغبتها في
استخدام هذه المساعدات "الموعودة في تدعيم
الموقع السياسي والشعبي لرئيس الحكومة
الفلسطينية محمود عباس لمواجهة نفوذ الرئيس
ياسر عرفات والحد من تأثيره على القرار
السياسي الفلسطيني". فقد اكتشفت إدارة بوش
ان حكومة محمود عباس لا تتمتع بالشعبية
والنفوذ اللذين يتيحان لها تحقيق إنجازات
فعلية على الأرض أو اتخاذ قرارات حساسة تتعلق
بالتنازلات التي قد تطلب منها عندما تبدأ
المفاوضات الجدية مع الاسرائيليين.
وهكذا..
فإن إدارة الرئيس جورج بوش تنطلق في توجهاتها
المعلنة والمضمرة من ان المشكلة تكمن في
الجانب الفلسطيني كله. وبدلا من ان تبحث هذه
الإدارة عن المشكلة في الجانب الآخر، لاسيما
الاحتلال الاسرائيلي وتأثيراته المدمرة كهدف
أولي ومن ثم الحصول على التنازلات الفلسطينية
التي تتيح لها تحقيق التسوية النهائية التي
تستجيب لمصلحة اسرائيل وشروطها كهدف أخير.
انطلاقا
من هذا التوجه لا تنظر الإدارة الأميركية
بارتياح إلى الهدنة التي أعلنتها منظمات
المقاومة الفلسطينية تجاوبا مع رغبة حكومة
محمود عباس وتجنبا لوقوع تناقض رئيسي بين
الجانبين. فقد كان المطلوب والمتوقع أميركيا
عكس ذلك تماما أي الدخول في مواجهة تدمر ما
تبقى من مقومات لدى الشعب الفلسطيني وتكسر
إرادته الجماعية بالمقاومة ومواصلة الصمود
أمام الاحتلال.
وبرغم
ان هذه الهدنة هي التي أتاحت تحقيق الانسحاب (الاسرائيلي)
الجزئي من قطاع غزة وبيت لحم، ما يساعد على
الدخول في مفاوضات تمهيدية على الأقل، إلا ان
الإدارة الأميركية ظلت متمسكة بسياستها
المعلنة وهي دفع الفلسطينيين إلى خوض حرب
أهلية حاسمة عنوانها "مكافحة الإرهاب"
وهدفها الحقيقي إنهاء الانتفاضة وحمل الشعب
الفلسطيني على الاستسلام الكامل أمام
الإرادة (الاسرائيلية).
ومن
خلال ذلك يمكن فهم المحاولات (الاسرائيلية)
المستمرة لاستهداف الناشطين الفلسطينيين
والقيام باجتياحات وغزوات ممدودة لاعتقالهم
في الوقت الذي يطالب الجانب الفلسطيني بإطلاق
سراح آلاف المعتقلين الفلسطينيين الذي تضيق
بهم السجون والمعسكرات (الاسرائيلية).
ان
هذه المحاولات تبدو نوعا من التحرش
والاستفزاز المتعمدين ودعوة مفتوحة لمنظمات
المقاومة الفلسطينية للرد بعمليات عسكرية
مضادة تتخذها حكومة شارون والإدارة
الأميركية أيضا، ذريعة لممارسة مزيد من الضغط
على حكومة محمود عباس لدفعها إلى التصادم مع
الفصائل الفلسطينية.
وفضلا
عن ان ذلك يكشف عن سوء نية مبيت فهو يحول
الاهتمام عن الالتزامات الاسرائيلية خصوصا
ما يتعلق بانسحاب قوات الاحتلال من مواقع
تمركزها الحالية، ووقف النشاط الاستيطاني
وتفكيك المستوطنات التي ورد ذكرها في (خريطة
الطريق)، ناهيك بالصمت الذي يمارسه الجميع
حول إقامة جدار الفصل العنصري في الضفة
الغربية المحتلة الذي يشكل وجوده ضربة قاصمة
لأية جهود سلمية حقيقية.
إذا
كان من الضروري القول ان الانتفاضة
الفلسطينية ليست هدفا بحد ذاتها وأنها كانت
إحدى وسائل المقاومة الشرعية في وجه الاحتلال
(الاسرائيلي) فإن من الواجب القول أيضا ان هذه
الانتفاضة لم تفشل ولم تعلن هزيمتها
واستسلامها ودليل ذلك الإصرار الفلسطيني
الأسطوري على مواصلة الصمود من جهة والتحرك
الدولي المتزايد لمعالجة الموقف من جهة أخرى.
فالدعوة
الأميركية لإنصاف الشعب الفلسطيني بإقامة
دولته المستقلة لا تعكس جانبا أخلاقيا يمكن
وصفه بـ (صحوة ضمير) متأخرة، بقدر ما تعكس
إدراكا لخطورة استمرار تفجر المشكلة
الفلسطينية على مشاريع التوسع الأميركية في
منطقة "الشرق الأوسط".