العراق وحتمية الحرب

وليد الزبيدي/كاتب من العراق

بعد ان شعرت الولايات المتحدة ان الخواء يلفها، منذ انفجارات أيلول/سبتمبر عام 2001، والتي مرغت وجه أميركا الذي انتفخ متباهيا بما حققته في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفياتي، الذي انهار عام 1991، كذلك تباهيا بما حققته قواتها ضد الجيش العراقي مطلع عام 1991، وأخذت الأدبيات الأميركية تتحدث عن قرن أميركي جديد، وحققت الإدارة الأميركية بعض العمليات التي تعد محدودة في ضوء الطموح الأميركي، منها عملياتها العسكرية في الصومال، والحرب في يوغسلافيا السابقة، وضرب مصنع الشفاء للأدوية في السودان، والعدوان على العراق أواخر عام 1998، لكن جميع تلك العمليات لم تكن كافية لعرض القوة العسكرية الأميركية، التي تريدها المدخل الأوسع والأهم لتسويق الثقافة ونمط الحياة والتفكير الأميركي، وجعله أحد الوجبات الرئيسية للعوائل في مختلف أرجاء العالم.

ما ان جاءت انفجارات أيلول/سبتمبر، والتي اتهمت بها مجموعة من المسلمين، حتى أصبحت الطبخة المعدة سلفا جاهزة، ومع كل ما تملكه القوات الأميركية من قوة وتفوق تقني وفي المعدات والإمكانات الإعلامية والاقتصادية، إلا أنها كانت دقيقة في اختيارها للأهداف، والتي تعرض فيها قوتها أمام العالم.

كان الاختيار الأول هو أفغانستان وجاء على خلفية الانفجارات، رغم ان القوات الأميركية صدرت اليها الأوامر لشن الحرب على أفغانستان قبل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وتناقلت بعض الصحف الأميركية أوامر تحرك القوات في الثلاثين من آب/أغسطس، أي قبل حوالي أسبوعين من الانفجارات المذكورة، أي ان الحرب على أفغانستان، كانت حاصلة لا محالة، وأن الحرب على العراق بعدها وبحسب الترتيبات الزمنية، ولحسابات محددة.

لم يكن بالإمكان البدء بالعراق لسبب بسيط، هو ان الإدارة الأميركية أرادت ان تبدأ بدولة اسلامية، تلقى حكومتها المعارضة وعدم التأييد من قبل أطراف عربية واسلامية، وهي حكومة طالبان، وعندما شنت الحرب على أفغانستان، ولم تجد من يعترض عليها أو يقاومها على اقل تقدير فإن التهيئة بدأت لشن الحرب على العراق.

وكما أسلفنا فإن الحرب على العراق كانت ستقع، مهما كانت الظروف، والدليل ان الذريعة التي اتخذتها أميركا لشن الحرب، وهي أسلحة الدمار الشامل لم يتم العثور عليها، وهذا يؤكد ما ذهبنا اليه لهذا ما ان تأكدت الإدارة الأميركية من تدمير آخر صاروخ جاهز للإطلاق من صواريخ (الصمود اثنان) يوم السادس عشر من آذار/مارس عام 2003، وهو الصاروخ رقم 76، حتى سارع الرئيس جورج دبليو بوش لحسم أمر الحرب، وإعطاء مهلة الثماني وأربعين ساعة المعروفة ومع كل ما حصل فان أميركا لم تتمكن من إثبات أي اثر لتلك الذريعة،التي استخدمتها لشن الحرب واحتلال دولة مستقلة.

إذن كانت أميركا تريد شن الحرب لأسباب كثيرة يتحدث الكثيرون عنها، ومن بينها ان الولايات المتحدة أرادت ان تعلن زعامتها على العالم، ولكنها اختارت اضعف دولة لشن الحرب عليها وهي العراق ولهذا أطلقت بحربها ضد هذا البلد، أوسع دعاية لقواتها العسكرية ولوسائل إعلامها، ولما تسميه بالخطط الناجحة، والأفكار الخلاقة والعبقرية الحربية الأميركية.

في الحقيقة، لم تحقق أميركا أي انتصار، لأنها اختارت العراق دولة بلا أسلحة، إذ ان العراق لم يتمكن من تحديث أسلحته منذ نهاية الثمانينيات، إضافة إلى انه تعرض لأبشع حصار أصرت أميركا على استمراره طيلة ثلاث عشرة سنة، وواضح أنها كانت تريد إنهاك الشعب والجيش، لشن الحرب لتحقق ما تسميه انتصارا، يضاف إلى ذلك ان عدد نفوس العراقيين الذين هاجمتهم أميركا وبريطانيا، هو في حدود العشرين مليون نسمة، مقابل ما يزيد على الثلاثمائة مليون نسمة في أميركا وبريطانيا، ناهيك عن التجهيزات والاتصالات الحديثة والاقتصاد القوي والتفوق الإعلامي.

هل يمكن ان يطلق شخص واحد على ما قامت به أميركا ضد العراق، على انه انتصار؟

أنا أحاجج أي عاقل بجميع الحقائق، وأتحدى من يقتنع أو يتمكن من إقناع أحد، بأن ما حققته أميركا ضد العراق يعد انتصارا بالمفهوم الحقيقي، الذي تقف في مقدمة الأوليات فيه عناصر التكافؤ في جميع الميادين.