العراق
المحتل ومخاطر الانكفاء القطري
لم
يرتبط الدور العروبي المركزي للعراق بحزب
البعث فقط، بل أن جذور هذا الدور تعود إلى ما
قبل ذلك بعقود. وإن تجلت السمة الغالبة لذلك
بالبعث، الذي شارك أو انفرد بالسلطة فترة
طويلة من الزمن، وظل محافظا على دور في الحكم
لمدة غير قصيرة حتى كان انفراده به عام 1968.
ورغم
كل ما يقال عن التعدد الإثني والديني في
العراق، إلا أن ذلك لم يمنع أبدا من مركزية
الدور العربي للعراق في حقب مختلفة، حيث لم
يكن هذا التعدد مؤثرا أو عاملا كابحا لهذا
الدور، لعب في ذلك دورا حالة المد القومي التي
عمت العراق بعد ثورة 1920، والتي عبرت عن عروبة
القطر، واتخاذ الملك فيصل الأول بغداد مستقرا
له ليتوج ملكا على العراق، بعد أن طردته فرنسا
من سوريا.
وغير
المشكلة الكردية، كمشكلة قومية، لم يعان
العراق من انقسام سياسي على أسس دينية بحتة في
الفترة من بداية تشكل الدولة العراقية حتى
أواسط الثمانينات، حيث كانت الحرب العراقية
الإيرانية في أوجها. إن المتغير الأساس الذي
جعل القوى الطائفية تحاول أن تصل إلى السلطة
أو تشارك بها، هو انتصار الثورة الإيرانية
عام 1978، وقيام نظام الملالي بتصفية الواجهات
الليبرالية الإيرانية التي شاركت في هذه
الثورة والقضاء على هذا التوجه الذي قاده أبو
الحسن بنى صدر وصادق قطب زاده وصولا إلى آية
الله شريعتمداري. حيث تمت تصفية العديد من
القادة أمثال مهدي بازركان وصادق قطب زادة،
بينما فر أبو الحسن بني صدر، كما فر مسعود
رجوي ليعيد بناء منظمته الفدائية التي حاربت
الشاه والمعروفة بـ (مجاهدي خلق) ومن ثم رضخت
للغزاة الأمريكان وأصبحت تحت حمايتهم تمهيدا
ربما لدور مستقبلي لهم وهذا سنناقشه لاحقا.
وما
يجري الآن من نفخ للعلاقات الإرثية في العراق،
هو عمليا إعادة لعقارب الساعة للوراء كثيرا،
حيث يجري تضخيم دور التركمان مثلا أو تضخيم
حجم الآشوريين، والذين كانوا أقرب للاندماج
في المجتمع العراقي. فتحليل الوضع الديمغرافي
لمدينة بغداد يشير إلى وجود حالة من التعدد
والاندماج في آن واحد في المدينة المركزية
للعراق، وحاضرته الأولى، كذلك الموصل
والبصرة.
أما
الشيعة، فقد أسهموا في الحركة القومية
العراقية بشكل كبير وتفاعلوا معها، ولم تغلب
نزعتهم الطائفية على انتمائهم الأبعد من
القطري العراقي نحو القومي العربي. فالعراق
لم يكن على علاقة وئام مع إيران منذ تشكل
الدولة العراقية، سواء بسبب الخلاف على شط
العرب، أو منطقة الأهواز العربية
(المحمرة) الواقعة تحت السيطرة الإيرانية،
أو حتى نتيجة الخلاف العثماني الصفوي قبل
قرنين من الزمن. وقد كانت العروبة عاملا يؤكد
الانفصال عن العثمانية، أسوة بتأكيد الولاء
القومي لكل الطوائف الدينية في العراق.
وما
نفخ في هذه الهويات الجزئية وعمق من تأثيرها
في المجتمع العراقي، هو تلك الحرب الطاحنة
بين العراق وإيران ما بعد الثورة الإيرانية،
هذه الحرب التي لم تهلك العراق اقتصاديا فحسب،
بل أنها أيضا فتحت باب الشيطان الطائفي الذي
تمأسس سياسيا سواء في بنى الدولة أو بنى
معارضة الحكم القائم. بحيث بات الحكم يقلص من
دوائر نفوذه ويضع نفسه إزاء الوجود الشيعي في
العراق، من خلال عملية قمع شاملة أدت إلى نمو
قوة سياسية شيعية تعارض النظام من منطلق ديني،
وتتخذ من إيران قاعدة لها، الأمر الذي أوجد
تناقضا داخليا بين ممارسة الحزب، وبنيته
الفكرية والأيديولوجية كحزب قومي عربي
وعلماني.
كما
لعب الحصار الشديد في دفع نظام الحكم في
العراق وليس البعث إلى تشديد قبضته على ما
تبقى بين يديه من سيطرة على الأرض، الأمر الذي
أدى إلى حصر مراكز التأثير في عائلة واحدة ومن
المقربين من هذه العائلة.
ورغم
ذلك كان هناك تناقض بين العمل الحكومي
الداخلي في العراق، وبين السياسات والتوجهات
الخارجية، حيث ركز الحكم على الخطاب القومي
العربي خارجيا، فيما عمل داخليا عكس ذلك
محاولة منه لاستعادة مركزه في المجتمع، الأمر
الذي أخذه عليه معارضوه، وأصبح مدعاة للتحريض.
هذه
الخلفية نسوقها، لتشكل هاديا لوضع العراق بعد
الاحتلال، فالدور العربي للحكم العراقي،
أزعج الإمبريالية الأمريكية، وشكل مصدر قلق
دائم للكيان الصهيوني، وبالتالي كان لا بد من
كسر شوكة هذا الدور وإضعافه، وربما تكون إحدى
أهداف الحرب الأخيرة على العراق هي توجيهه
نحو حالة من الانكفاء القطري، بعد عذاب
الحصار، وخذلان العرب له خلال أكثر من عقد
لحصار لئيم.
أما
الآليات التي يخطط لها أمريكيا باتجاه هذا
الانكفاء فهي ذات أوجه مختلفة منها، تعزيز
ونمو الثقافات السياسية الفرعية في العراق،
ومأسستها سياسيا من خلال تجربة حكومة
انتقالية قائمة على توزيعية لكوتا إثنية
ودينية أساسا، أي خلق مصالح سياسية جديدة أو
تنمية مصالح سياسية كامنة وتحويلها إلى محور
في البناء السياسي القادم للعراق.
أما
الوجه الثاني وهو الأخطر، فهو تعميم حالة
الخصخصة الاقتصادية للقطاعات المختلفة
إنتاجية وخدمية، بما يخلق طبقات وشرائح
اجتماعية جديدة مستفيدة من الجمع بين حالة
القسمة السياسية السابقة وعملية الخصخصة
الاقتصادية سواء للثروة النفطية الهائلة أو
للقطاعات الأخرى المعتمدة على الصناعة
النفطية أو لقطاعات خدمية كالصحة والتعليم..
الخ، هذا الأمر سيؤدي إلى تعزيز نزعة مركبة
باتجاه ما طرحه السادات بعد إحداث 1972، عبر
التقوقع القطري، والانفتاح الاقتصادي الأمر
الذي أجهز على الدور القيادي لمصر في الوطن
العربي والذي توج بكامب ديفيد، كما جرى أيضا
في الأردن من خلال شعار الأردن أولا، كذلك في
منطقة الخليج من خلال مجلس التعاون الخليجي.
أو كما تم استخدام شعار (استقلالية القرار
الفلسطيني) لنصل إلى أوسلو.
فقد
شكلت النزعة القطرية مظهرا رئيسيا من مظاهر
الهزيمة، والتوجه الاستسلامي في مختلف بقاع
الوطن العربي، ولماذا لا تشكل الآن مظهرا
لحالة الانكسار التي يعيشها المجتمع العراقي؟.
إن قوى القطرية المهزومة والتي عادت مع
الدبابات الأمريكية لسرج خيولها الآن لتمتطي
صهوة الدولة العراقية، كما أن الطامحين من
الملالي في العراق لا يختلفون في ذلك عن القوى
العلمانية، إذ يحلمون بشراكة في سلطة عراقية
جديدة (تحرر) العراق من كثير من الالتزامات
القومية.
أما
القوى القومية العربية وشظاياها المختلفة،
فلا لا زالت تطرح مواقفها القومية على
استحياء في ظل النزعة العارمة للقطرية، ولا
تشكل حتى الآن تيارا حقيقيا يواجه حالة
الاحتلال القائمة أو محاولات نزع العراق من
دوره القومي، قوى حتى الآن غير موحدة، ولا
تطرح نفسها للشارع كبديل قومي عربي ديمقراطي
عن نظام مارس الاختزال والإقصاء لكل ما هو غير
بعثي حتى لو كان قوميا عربيا.
أما
الدور القومي للعراق، كدور إقليمي، فذلك حالة
موضوعية كامنة في بنية الدولة منذ نبوخذ نصر
وسنحاريب، وصولا إلى كل حاكم، فالقوة الذاتية
لقطر كالعراق وحتى قبل اكتشاف النفط فيه كانت
تدفعه دوما للتأثير على محيطه، وبالتالي عبثا
تحاول القسمة الأمريكية للبنية السياسية
العراقية، وعبثا تحاول قوى الطائفية أيضا في
هذه المجال. إنما يجب أن لا يركن إلى العامل
الموضوعي فقط، بل إن وأد خطر الانكفاء القطري
يتطلب عملا مبكرا من القوى القومية عملا
باتجاه استعادة الوعي القومي الصحيح باتجاه
ديمقراطي معاد للاحتلال.
وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة تحرك القوى القومية في الأقطار العربية باتجاه دعم وتعزيز هذا التوجه.