العرب
بين انتفاضة تخبو وأخرى تولد وتتعاظم
مطاع
صفدي/كاتب ومفكر عربي يقيم في باريس
ما الذي يجمع أو يميز بين المقاومتين
الفلسطينية والعراقية، وكيف يمكن ان تستمر
الثانية عندما سوف تصمت الأولى مع قبول حركة
حماس بالهدنة المطروحة كقدر أمريكي محتوم قبل
ان يكون (اسرائيليا) فحسب، كل الدلائل تشير
إلى ان العراق الذي خسر حرب نظامه السياسي
موشك على الانخراط في حرب دفاعه الشعبية التي
توقعها كل مراقب نزيه لتطورات العدوان
الأمريكي، فما ان انتهى من تدمير النظام، كما
يخيل اليه، حتى اصبح تدميره لكيان الدولة
تحصيل حاصل. ثم انتقل إلى تفكيك المجتمع، وهي
ثلاث حلقات مترابطة لمخطط واحد لا يعني إعادة
الهيكلة حسب مصطلح الاحتلال، بقدر ما هو
إزالة البلد نفسه من خارطة الوجود السياسي
العربي.
وأكثر من ذلك لأنه يهدف إلى تبديد العراق كليا
كبلد، وتحويله إلى إثر بعد عين. فالمقاومة
الصاعدة، بتنوع تياراتها وأطيافها
الأيديولوجية لن تكون مجرد رد غريزي على
الاحتلال وتحدياته اليومية لأبسط شروط
الكرامة الانسانية وحاجات العيش الأولى
البسيط للأفراد والجماعات، بل لا بد لها من
تجاوز الانفعالات الآنية وقانون الثارات
الطارئة والمتنقلة بين ارجاء البلد الفسيح.
ولقد تكفلت حماقة المحتل الأمريكي البشع
بافتعال غبي أو مقصود، لكل ما من شأنه انفجار
الغضب الشعبي العارم فإن تسريح الأعداد
الهائلة من أفراد الجيش وموظفي العديد من
الوزارات بالجملة، إلى جانب انقطاع نظام
التموين الشامل لمجموع السكان الذي ساعد على
صمودهم إبان سنوات الحصار العجاف، كل هذا وضع
المجتمع في العراء والحرمان من أبسط موارده
الحيوية، كأنما ينفذ الاحتلال ثأرا صهيونيا
مبيتا ضد كل إنسان عراقي في ذاته، مهددا
بإعادة مجتمع الناس العاديين، وليس الدولة أو
أبناء النظام المدمر فقط، إلى مجرد أرتال من
الجائعين والمرضي والهائمين على وجوههم في كل
اتجاه، ووراء كل سراب باطل، إنه نوع من عقاب
دنيء وانتقام بربري يتناول الشعب بمجموعه،
وكأنه المسؤول عن نظامه السابق، أو أنه
بالأحرى المسؤول عن ذلك الاستثناء البطولي
الذي كان يمثله العراق المستقل وصموده الأبي
في وجه سياسة الاحتواء الأمريكي ـ الصهيوني
لكامل المشرق العربي وإحباط مخططاته حتى وهو
يتلقى أكبر ضربات التدمير الشامل منذ (حرب
الخليج الثانية)، وإدخاله ما بعدها في نفق
الحصار الجائر، واعتقاله في محبس الاضطهاد
المطلق من قبل سلطة الظلم والظلام، وجعله
ساحات تجارب لإعداد واستكمال مشروع الامبطرة
الأمريكية الموجه ضد العالم أجمع، انطلاقا من
السيطرة على وطن الحضارة العربية والاسلامية
وثرواتها الاستراتيجية من مصادرها الأولى.
يغدو العراق يوما بعد يوم فلسطين الثانية تحت
وطأة استعمار أمريكا التي تصير (اسرائيل
الكبرى)، وبدلا من تفشي الصهينة (...) كما كان
يحلم دعاتها الأوائل وبناة (اسرائيل)، فأن
أمريكا تأخذ على عاتقها تحقيق الحلم الصهيوني
لحسابها الخاص، بالإضافة إلى (رسالة)
الاستعمار الأوروبي القديم، هذا بالرغم من أن
أوروبا المعاصرة قد تبرأت من ماضيها
الإمبراطوري ورسالاته الزائفة، لكنها لا
تدري اليوم كيف سيكون مصيرها مع الهجمة
الأمريكية، هل تقاومها كما لو كانت مستهدفة
منها كإحدى ضحاياها فوق العادة، أم أنها
تلتحق بها كشريك أصغر لا بد منه ويقنع بالحصة
الأقل مقابل ما يقدمه من خدمات (العلاقات
العامة) والتوسط لدى الضحايا بتسهيل مهمة
ابتلاعها وانتزاع آخر وسائل دفاعاتها. ها هو
بوش يطالب الاتحاد الأوروبي بالمشاركة
الفورية في تعطيش حماس ماليا، والسماح بتدمير
جناحها العسكري مع تفكيك أجهزتها المدنية
الأخرى.
ورغم ان البعض من ممثلي الاتحاد يعلن صراحة،
وبعد جولة النقاش الحاد مع الإمبراطور بوش ان
أوروبا ترفض ان تتعلم دروس محاربة الإرهاب من
سواها، إلا أن القادة الواعين منهم لا يريدون
تكرار صدامهم مع الجناح الآخر من الأطلسي
إبان الأزمة العراقية، وفي هذه المسألة
البالغة التعقيد المتعلقة بـ(الشرق الأوسط)،
وهم قد التزموا سياسة المداراة مع الثور
الأمريكي الهائج خاصة بعدما يسميه بنصره
الساحق على صدام حسين، وقد راحوا يراقبونه
وهو يغرق أكثر فأكثر، ومن يوم إلى آخر في
المستنقع العراقي باحثا عن نجدة المشاركة
العسكرية من قبل بعض دول أوروبا الثانوية،
كما أنه يطالب أغنياء الاتحاد بالمساهمة في
تكاليف إعادة الإعمار، أي أن الأمريكان
يخربون، وعلى الأوروبيين أن يعوضوا ما خربته
حرب يصفونها بـ(اللاشرعية) قانونا وبالعبثية
والكارثية من حيث النتائج القريبة والبعيدة.
أما في ساحة الصراع الدبلوماسي الخافي
والظاهر من أجل تنفيذ خارطة الطريق فالموقف
الأوروبي يرفض تهميشه منذ الخطوات الأولى
المؤثرة في كل ما سيتلوها وينبني عليها،
فيقرر ان يحمي الاتحاد (حماس) مهما كلف الأمر،
مثلما حافظ على أهم ما في السلطة الوطنية
ورمزها عرفات في أصعب أيام حصاره وتعرضه
للاغتيال، وكان ان تغلبت الوحدة الوطنية
أخيرا، وتم تجاوز عقبات شارون، وأنجز اتفاق
الهدنة قبل وصول مستشارة بوش كونداليزا رايس،
وما يرمز اليه تدخلها المباشر من الأهمية
الفائقة التي يعطيها بوش لنجاح خارطة الطريق .
فالأوروبيون يتعهدون الفريق الفلسطيني
بجناحيه شبه المتقاربين لأول مرة، الاسلامي
والوطني، والبيت الأبيض ومبعوثوه يقع عليهم
عبء الكبح والمساعدة لشارون والجماعات
الدينية الداعمة له، وقد تتحول عنه كلما خطا
أبعد على طريق التسوية. لكن كل هذا يتوقف
واقعيا علي التصرفات (الاسرائيلية) بدءا من
الانسحاب المقرر من قطاع غزة، والتوقف عن
اغتيالات القيادات وفتح المعابر، هذه
الأهداف التفصيلية التي تحل المطالبة بها
مكان تلك المبادئ الكلية التي قامت من أجلها
الانتفاضة، بل الثورة الفلسطينية أصلا، مع
ذلك فالأمر اليومي مرحليا هو وقف المذبحة
الشاملة، وهو الأمر المشكوك فيه باستمرار ما
دام ميزان القوى الرئيسي في المنطقة والعالم
يكاد يكون ممسوكا كله بيد أعداء الأمن
الانساني، كما يجدد نيلسون مانديلا وصف بوش
وأمريكا بأنهما يجسدان منذ الحرب العالمية
الثانية أهم خطر على السلام العالمي بنسفهما
لشرعة الأمم المتحدة وارتكاب جريمة الحرب على
العراق واحتلاله.
كيف ينتظر ان تجلو (اسرائيل) حقا عن الأراضي
الفلسطينية وأن تعود إلى التزام حدودها (المشرعة)
من قبل الأمم المتحدة في حين ان سيدتها أمريكا
تجذر احتلالها للعراق وتستعد لاحتلال غربه
وشرقه. فهل يسمح التفكير الاستراتيجي بالحد
الأدنى من تصديق ان خارطة الطريق ستؤدي إلى
غاياتها المعلنة، أم ان الهدنة الحالية ليست
اكثر من وسيلة لوقف النزف (الاسرائيلي)، وليس
الفلسطيني، في انعدام الأمن للمدنيين،
وانهيار الاقتصاد، والهجرة السكانية
المعاكسة، وخوف الصهيونية العالمية من
انهيار السمعة وتعاظم مسؤوليتها الأخلاقية
عن وليدتها: (اسرائيل) الدموية؟ وفي الآن عينه
تغدو تهدئة ثورة النار والدم في فلسطين مصلحة
انتخابية لبوش، وتغطية دعاويه لفضائح
الاحتلال في العراق وانهزاماته المتوالية
والمتفاقمة أمام تعاظم المد الشعبي المقاوم،
وانسداد السبل أمام الإدارة الاستعمارية نحو
أية إصلاحات ادعتها، بل عملت عكسيا على حرمان
الناس من أبسط شروط الحياة الأولية في ظل
دولتهم الكبرى العريقة، والتي يدمر الاحتلال
هياكلها عن سابق تصميم وتخطيط، متظاهرا تارة
بنقص الأموال لتأهيل المرافق، وفي السياق
السياسي يلقي الاحتلال المسؤولية على التشتت
الاثني والمذهبي، وهو الذي أيقظه وغذاه
بإصراره على مخاطبة المجتمع من خلال رموز هذا
الشتات عينه، ضاربا في عرض الحائط كل تعامل
موضوعي مع التيار الجمهوري الأعظم الجامع
لمختلف أطياف النهضة المتأصلة في المجتمع
العراقي المتقدم. فإن غابت التحزبات
السياسوية في الماضي فقد شغل الناس بمشاريع
النهضة وتحقيق شروط التقدم العصري، وتحت أقسى
ظروف التآمر الخارجي، ومآزق الحروب المفروضة،
وصولا إلى نفق الحصار الأول والأشقى والأظلم
من نوعه في تاريخ العقوبات الدولية، هذا
العناد والإصرار على الكفاح النهضوي واختراق
أعلى تحدياته العصرية في الإنتاج المعرفي
والتقني خصوصا، هو الخطيئة الكبرى في عرف
الاحتكار الغربي والأمريكي تحديدا لأسرار
التكنولوجيا العالية، وليس في حقل التسليح
المتقدم وحده، بل في سياق الممنوع العام
الشامل، وهو احتياز العرب على مؤسسة المعرفة
العلمية في العقل والتنظيم والإنتاج.
إنه الممنوع الأخطر الذي اخترقه واختطفه
المشروع النهضوي العربي عبر إحدى تراجيديات
اليقظة الحضارية المأزومة أصلا بعوامل
علاقتها الذاتية في ظل الأحادية السياسية
والحكم الرأسي داخليا، والاحتكار الدولي
خارجيا، وخاصة مع ظهور الأمبطرة الأمريكية
واختلاق شرعة التحريم السلاحي المتقدم علي كل
آخر في عالم اليوم والغد، وبالتحديد ذلك
الآخر العربي والاسلامي، وليس التجريم بتهمة
السلاح التدميري الشامل سوى الذريعة
المختارة لتثبيت القطيعة المعرفية الحداثوية
بين نموذجي التقدم والتخلف في المشهد الكوني
الراهن.
على كل حال في فلسطين لا أحد يتوقع خطأ افضل لـ
خارطة الطريق من سابقاتها وبالأخص (أوسلو)
التي بددت أعلى ثمار الكفاح الفلسطيني، وشكل
انهيارها البائس واحدة من اخطر مقدمات النكبة
القومية الثانية مع احتلال العراق. فالمشكلة
في هذه التسويات الزائفة أنها تدمر أفضل
ايجابيات ذلك الكفاح من مرحلة إلى أخرى، وتهد
من صرح الصمود الفلسطيني طبقة بعد طبقة. كل
تسوية تمتص تضحيات الانتفاضة السابقة وتمهد
الطريق نحو الحالة الأسوأ من تلك التي
أنتجتها، فالمفجع في مسلسل الانهيار
فلسطينيا وعربيا، ان كل جديد فيه إنما يأتي
بأسوأ ما في القديم الذي سبقه، مضافة اليه
رداءة هذا الجديد عينه وفشله الأفجع في
نتائجه الكارثية الأخبث والأحدث من زميلاتها
الماضية المتراكمة. فهل تشذ خارطة الطريق عن
هذا القانون الرهيب، هل تغير في واقع
التراجيديا العربية ما لم ولن يتغير في
أسبابها القديمة والمتفاقمة طردا مع تفاقم
الظروف الدولية والإقليمية وضدا على أولويات
تطلعات الشعوب المستضعفة والمتطورة تراجعيا
في المزيد من التخلف والانهيارات البنيوية
المستفحلة.
فالعدو هو الذي تتقوى وسائل عدوانه وبطشه،
والضحية لا تملك سوي تكرار تضحياتها المفروضة
عليها من مجزرة إلى أخرى، والحلقة المفرغة
هذه عبثية بالنسبة لمصائر الضحايا، لكنها
رابحة ومنتجة بالنسبة لجلاديها، وليس ثمة ما
يدفع إلى أي تعديل في خارطة المستقبل سوى ان
تتحول شعوب هذه الأمة كلها إلى جيوش من
المقاومين، فإن سكتت انتفاضة فلسطين اليوم أو
غدا، فأن انتفاضة العراق تستلم الشعلة من
زميلتها، وفي كل قطر عربي وإسلامي بركان يهدر
تحت صخور القمع، والحروب المسعورة التي تشنها
معظم الأنظمة على مجتمعاتها تحت شعار (استئصال
الإرهاب الديني) ما هي إلا المحاولات الأخيرة
لدفن البراكين تحت المزيد من رمادها عينه. هذه
الحروب الصامتة الصاخبة، والمستوردة بأوامر
الإمبراطور (البوشي) أضحت هي البدائل العملية
عما يسمى بمشاريع الإصلاحات الديمقراطية،
والأحلام المعقودة على أسطورة الولادات
العسيرة للمجتمع المدني المعطوب فكريا أصلا
والمجهض سلفا من أقرب ظروفه الموضوعية
وأبعدها معا.
لكن علينا مع ذلك ألا ننسى ان هذه الأمة
المنكوبة قد كتب عليها ان تواجه بالنيابة عن
ذاتها وعن انسانية العصر، وحش وحوش التاريخ:
إمبراطورية المال والسلاح وأيديولوجيا
التدمير الشامل لمكتسبات الحضارة والمدنية
معا. وليس أمام هذا الوحش الكوني سوى شعلة
الانتفاضة وهي تنتقل من أيدي شعب محروم إلى
آخر في عمق هذا الشرق الذي شهد وسوف يشهد
دائما غروب آلهة الطغيان من كل جنس محلي
وأجنبي غاز.