تقرير
بريطاني سنة 1907 يقترح زرع (إسرائيل) في قلب
العرب
"إسرائيل"
ليست ظاهرة منفصلة أو قائمة بذاتها، ولكنها
اثر الاستعمار أو نتيجته. وهي متلازمة معه،
ولا بقاء لها إلا في حمايته ورعايته.
وإذا
كان الاستعمار القديم الذي أوجدها قد اندثر
أو قضي عليه في الوطن العربي، فإنها تحاول أن
تبقى الآن في حماية الاستعمار الجديد، وهو
الذي لابد أن تقضي عليه الأمة العربية إن
عاجلاً أو آجلاً.. فـ (اسرائيل) ما هي إلا ظاهرة
شاذة مفتعلة، مضادة لسير التاريخ، ولذا فإن
نهايتها محتومة.
بدأ
وجود الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر
الماضي، وكان الاستعمار الأوروبي في ذلك
الوقت قد بلغ ذروته.. فكان يتسابق ويتدافع
للوثوب على الأقطار العربية في آسيا وأفريقيا،
ومنها بلاد حوض المتوسط.. وجاء الاحتلال
البريطاني لمصر عام 1882
نذيراً بما ينوي الاستعمار أن يفعله بالدولة
العثمانية، والأقطار العربية المتصلة بها
جغرافياً.. حينئذ فكرت جماعات من الصهاينة في
أوروبا، أن هذه فرصتهم ليلحقوا بركب
الاستعمار، ويلتقطوا قطعة من بلاد الدولة
العثمانية!.. وتحولت أنظارهم نحو فلسطين
بالذات، لأوهام وأطماع يخفونها حتى تتمكن
أقدامهم، ومنذ تلك الفترة برزت الحركة
الصهيونية، وهي كما يقولون (السعي للعودة إلى
صهيون -القدس- وفلسطين). لذلك لم تكن هذه
الحركة جزءاً من حركة الاستعمار بشكل عام.
وحانت
الفرصة حين انضمت تركيا إلى ألمانيا والنمسا
ضد بريطانيا وحلفائها، في الحرب العالمية
الأولى 1914-1918، وحين اقتربت لحظة التقسيم نشط
زعماء الصهيونية، واتصلوا برجال السياسة
البريطانية، وكان هؤلاء الساسة من غلاة
المستعمرين وأصحاب العقلية البائدة،
الذين يعملون لبناء الإمبراطورية التي لا
تغيب عنها الشمس، كما أنهم كان يستولي عليهم
التعصب والحقد للدولة العثمانية وللعرب
والإسلام، هؤلاء هم الساسة الذين حكموا
بريطانيا، وتصرفوا في شؤون البلاد والعباد في
الوطن العربي منذ بدء الربع الأخير من القرن
التاسع عشر إلى نهاية الربع الأول من القرن
العشرين.
في
ذلك الوقت كانت سياسة الاستعمار إزاء المشرق
العربي قد تبلورت في تقرير خاص كتبه خبراء
وزارة الخارجية البريطانية عام 1907، وجاء فيه:
"إن الخطر ضد الاستعمار يكمن في البحر
المتوسط، فعلى الشواطىء الشرقية والجنوبية
لهذا البحر يعيش شعب واحد، تتوافر له وحدة
التاريخ والدين واللغة وكل مقومات التجمع
والترابط، هذا فضلاً عن ثرواته الطبيعية
ونزعته للتحرر.. فلو أخذت هذه المنطقة
بالوسائل الحديثة، وإمكانيات الصناعة
الأوروبية، وانتشر التعليم بها، فستحل
الضربة القاضية بالاستعمار الغربي.. فيجب إذن
على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على
استمرار تجزئة هذه المنطقة، وإبقاء شعبها على
ما هو عليه من تفكك وتأخر، وهذا يستلزم فصل
الجزء الأفريقي في هذه المنطقة عن الجزء
الأسيوي.. وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري
قوي وغريب، يحتل الجسر البري الذي يربط آسيا
بأفريقيا، بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى
مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار
وعدوة لسكان المنطقة"..
ولما
حانت الفرصة أثناء الحرب العالمية الأولى،
عرض زعماء الصهيونية على المستعمرين
الإنجليز مشروع (إنشاء وطن لليهود) في فلسطين،
فوجد الاستعمار البريطاني مصلحة له في ذلك
وتثبيتاً لنفوذه ومخططاته في المشرق العربي،
وحراسة لموارد البترول ولقناة السويس، وكان
البريطانيون آنذاك في أزمة اقتصادية وحربية
فوجدوا أن مصالحهم تقضي بالاتفاق مع الصهاينة،
بما يحقق مطامحهم ويساعدهم على الخروج من تلك
الأزمة، وكذلك عمل هؤلاء الصهاينة داخل
ألمانيا وسعيهم لإشراك أميركا في الحرب إلى
جانب الحلفاء.. وهكذا
التقت أغراضهم مع أغراض الصهيونية، وتم
الاتفاق على المؤامرة.
ومن
الوثائق المثبتة للعلاقة الوثيقة بين
المشروع الصهيوني والاستعمار، الرسالة التي
وجهها الزعيم الصهيوني (وايزمان) إلى الشعب
البريطاني والمسؤولين، ونشرتها صحيفة (المانشستر
غارديان)، والتي قال فيها: ... "ألا ترون أنه
يمكننا الآن القول بأنه إذا أصبحت فلسطين ضمن
منطقة النفوذ البريطاني، ووافقت بريطانيا
على إقامة مستعمرة يهودية فيها تحت الحماية
البريطانية، فإنه في خلال عشرين سنة نستطيع
أن يكون لنا هناك مليون يهودي أو اكثر، يشكلون
حراسة عملية لقناة السويس؟"!!..
وفيما
يتعلق بالمشاعر الدينية التي كانت تحرك
الساسة البريطانيين وتقترن بالتعصب، فإن (وايزمان)
الذي كان على اتصال مستمر بهم يقول في مذكراته:
"ينسبون إليّ فضل الحصول على تصريح (بلفور)
ولكن الحقيقة أن السبب الرئيسي لفوز اليهود
في الحصول على وعد من بريطانيا بإنشاء الوطن
القومي اليهودي هو شعور الشعب البريطاني
المتأثر بـ(العهد القديم).. وأن رجالاً من
أمثال بلفور وتشرشل ولويد جورج كانوا متدينين
من أعماق قلوبهم، ومؤمنين بما ورد في هذا
الكتاب، ونظروا إلينا معشر الصهيونيين
كممثلين لفكرة يعتقدون فيها اعتقاداً كلياً"!!..
مما
تقدم يتبين أن كل العوامل المذكورة قد لعبت
دوراً هاماً في إصدار اللورد بلفور وزير
خارجية بريطانيا تصريحه السيء الصيت في تشرين
الثاني/نوفمبر 1917، وذلك نيابة عن حكومته، وهو
الذي أعلن فيه تأييد بريطانيا للأغراض
الصهيونية، وتعهدها بأن تبذل أقصى ما في
وسعها لإقامة (وطن قومي لليهود) في فلسطين..
وقد صدر التصريح السيء الصيت في صورة خطاب
وجهه وزير الخارجية إلى اللورد (روتشيلد) أحد
كبار الصهيونيين الرأسماليين، ولم تكن
بريطانيا قد احتلت فلسطين بعد، ولم يكن لها أي
حق قانوني أو دولي فيها، فكان وعداً صادراً من
غير ذي صفة، و دون رعاية لحق شعب فلسطين في
تقرير مصيره، فكان عملاً باطلاً.
وقد
نصت رسالة بلفور وهي التصريح السيء الصيت على
ما يلي:
"عزيزي
اللورد روتشيلد،
يسرني
سروراً كثيراً أن أنهي إليك، نيابة عن حكومة
جلالته، التصريح الآتي الذي يعلن العطف على
المطامح اليهودية وقد عرض هذا التصريح على
الحكومة البريطانية فوافقت عليه.
إن
حكومة جلالته تنظر بعين الرضا والتأييد إلى
إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي..
وستبذل أعظم جهودها لتسهيل تحقيق هذا المشروع.
على
أنه مفهوم بوضوح أنه لن يعمل شيء يمس الحقوق
المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية
التي توجد الآن في فلسطين، ولا الحقوق
والمزايا السياسية التي يتمتع بها اليهود في
أي بلد آخر.
وأكون
معترفاً بالشكر إذا تفضلت بأن تبلغ هذا
التصريح إلى الاتحاد الصهيوني".
هكذا
كان بدء هذه الجريمة، أو هذا المشروع
الصهيوني الذي أسموه فيما بعد (اسرائيل) وقد
كان كما بينته هذه الحقائق، مشروعاً
استعمارياً يهدف إلى تحقيق مطامع
الإمبرياليين البريطانيين والصهاينة.. وقد
وضع هذا المشروع، وأخذ في تنفيذه دون اعتبار
لإرادة شعب فلسطين، بل دون النظر إلى وجوده،
أو لوجود عرب، فكان مشروعاً ظالماً مخالفاً
لكل القوانين والأعراف والمبادىء.. تم تنفيذه
بقوة الحديد والنار، وعلى مدى ثلاثين عاماً
(1917-1947) رزحت فيها فلسطين تحت الحكم العسكري
المباشر.. مع العلم أن بريطانيا دخلت فلسطين
بمعونة العرب وتحالفها معهم، وأخذت الانتداب
من ما سمي آنذاك بعصبة الأمم على أساس تدريب
شعب فلسطين كما تقول وثيقة الانتداب على
الحكم الذاتي، وصولاً إلى الاستقلال،
وبالرغم من ذلك كعادة الغدّار فإن بريطانيا
غدرت بالعرب وخانتهم، فأدخلت الشعب السجون،
وفتكت به، في حين فتحت باب الهجرة للصهاينة
على مصراعيه، وسلمت زمام فلسطين إلى الوكالة
الصهيونية، فكانت هذه جريمة من أبشع الجرائم
التي ارتكبها الاستعمار في تاريخه الممقوت،
بل اكثر من ذلك ضد العدل والإنسانية..
وبعد
أن أتم الاستعمار تنفيذ جريمته، سلّم البلاد
إلى الصهاينة وإلى الاستعمار الجديد، ليواصل
حماية الجريمة، واستمرار نتائجها، فتولت
الولايات المتحدة الأميركية المهمة بدلاً من
بريطانيا عقب الحرب العالمية الثانية، فدفعت
بالعدوان إلى مرحلة أخطر، تحت ما يسمى
بالشرعية الدولية لتكسبه صفة دولية.. وكانت
نتيجة هذا كله المأساة التي نشهدها ويراها
العالم بأسره، وهي إخراج شعب بأكمله من وطنه،
وتشريده بوسائل وذرائع شتى، ليعيش في دول
متفرقة من العالم ومجاورة لفلسطين، من اجل أن
يقيم شعب غريب في الأرض العربية الفلسطينية
على أساس الاغتصاب، تحت ستار شرعية وقوانين
ما يسمى بمنظمة الأمم المتحدة، وصارت مهمات
هذه الهيئة الدولية هي حماية الكيان الصهيوني،
وتحقيق أغراضه في البلدان العربية بأن تنهب
الثروات الطبيعية في الأراضي العربية وتقف
حاجزاً أمام وحدتها، وتأخير نهضتها، وإخضاع
المنطقة العربية بكاملها للنفوذ الإمبريالي
خدمة لمصالحهم الاحتكارية، وفي مقدمتها
النفط، ومن المؤسف له أن الأنظمة والقيادات
العربية بغبائها وحقدها الأسود على بعضها
البعض شاركت في ما يسمى بـ(إسرائيل) اليوم وهم
يتسابقون لتقديم الولاء والطاعة للصهاينة
وللإمبريالية الجديدة القديمة.
وما
نراه في المغرب العربي من مؤتمرات واعترافات
من المشرق في هذا الكيان المغتصب للحقوق
وللأرض وبدعم من بعض الفلسطينيين الذين
يحاولون فرض أنفسهم على لأنهم متحدثين أو
أكاديميين أو خبراء أو ما شاء أولئك من
الألقاب ومن ثم يتنازلون عن حقوق الشعب
الفلسطيني في العودة وحق تقرير المصير أمثال
سري نسيبة، من أجل تكريس خطأ تاريخي في ظل
العهر السياسي الأمريكي.. ومن يراجع التاريخ
العربي المشرق للأمة العربية يجد أن النصر
سيكون في النهاية للشعوب وللحق، وأن الجماهير
المؤمنة بحقها في الحياة لا بد أن تنتصر كما
انتصروا في اليرموك وحطين، وعين جالوت،
والقادسية.. لأن الله ناصر الحق ولن يموت حق
وراءه مطالب.