هل ابتدأت العودة إلى الإعلام الشفوي؟

د. عبد العزيز المقالح/كاتب وشاعر يمني

ليس غريباً، وحال العرب من السوء والانكسار كما هو عليه الآن، أن يكون الإعلام العربي انعكاساً طبيعياً لهذه الحال وأن يفشل في الارتقاء بوعي المواطن إلى مستوى التحديات العنيفة التي تعترضه داخلياً وخارجياً، والأسوأ أن ينحاز شطر كبير منه - دونما خجل - إلى إعلام الأعداء!

ويبدو أن الرد الشعبي السريع والخطير على الإعلام الرسمي المنحرف في بعض الأقطار العربية يكاد يتجلى في العودة إلى الإعلام الشفوي ذلك الذي كان سائداً قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة من صحافة وإذاعة وقنوات فضائية، وخطورة هذا النوع من الإعلام الشفوي - إذا جاز الوصف - تأتي من حيث كونه سلاحاً ذا حدين لاعتماد جانب من معلوماته على الإشاعات واستغلال نقاط الضعف في الإنسان العادي الذي يهتز للمبالغة ولا يريد أن يعرف الحقائق كما هي وإنما كما ينبغي أن تكون من وجهة نظره هو، ولا يخلو الإعلام الشفوي من الوقوع تحت سيطرة التنافس السياسي وعندئذ لن يكون في منأى عن الكيد المتبادل بين السلطات والمعارضات العربية، ولكل منها أهدافه وإشاعاته وإعلامه الشفوي الذي يفوق - في بعض الأحيان - الإعلام المقروء والمسموع.

لقد سقطت في الفترة الأخيرة - مؤسسات إعلامية عربية وعالمية، وقد لا يهمنا كثيراً سقوط بعض أو كل المؤسسات الإعلامية العالمية بقدر ما يهمنا ويقلقنا سقوط بعض المؤسسات الإعلامية العربية ودخولها الحرب غير المقدسة ضد نفسها وضد أمتها اعتقاداً منها وظناً بأن العابر الطاريء في حياة هذه الأمة هو نهاية وجودها أو نهاية التاريخ على حد المفهوم الذي تروج له القوة العظمى التي عملت على خلق هذه البلبلة الإعلامية وتوسيعها لإسقاط هيبة الكلمة، وتحويلها إلى لعبة لفظية مهينة، وأي امتهان للكلمة أسوأ من أن تعمل ضد المباديء والقيم، وأن تقوم مؤسسات إعلامية على مستوى عال من التقنية والإمكانات لتحسين صورة دولة ما وتزيين مواقفها لدى الآخرين وغسل أيدي أبناء هذه الدولة من دماء الأبرياء بكلمات مشتراة وصور زائفة، ومن حسن الحظ أنه حتى الإنسان العادي يتساءل متى كان ذلك مقبولاً في دولة ديمقراطية كل شيء فيها يخضع - كما يقال - للوضوح والشفافية والمساءلة ولا مكان فيها - كما يقال أيضاً - لتزييف الحقائق وتبييض الوجوه وقد تردد في هذا المجال أن السيدة (شالورت بيرز) التي كانت - إلى وقت قريب - مسؤولة عن مهمة تحسين صورة أميركا في العالم إنها قالت وهي تقدم استقالتها: "إنه لشيء مخجل ومهين أن تجد نفسك تعمل على تزيين وجه الشيطان" وإذا صح ذلك فإن اللطمة كانت قاسية وكافية جداً لإيقاظ ضمير هؤلاء الذين يريدون تحسين صورهم في العالم الذي يراهم على حقيقتهم حتى ولو ارتدوا ثياب الملائكة أو استخدموا كل ما في الأرض من أقنعة ووسائل ماكياج.

وبالمناسبة فإن حزني الذي يصل حتى العظم على مصير أغلب وسائلنا الإعلامية العربية، لا يمنعني من الحزن أيضاً على المصير البائس الذي حل ببعض الإذاعات العالمية التي كانت محط ثقة المستمع العربي، وكيف خسرت مصداقيتها وأثبتت أن تلك المصداقية مؤقتة الصلاحية ومرتبطة بالظروف العادية فإذا ما تغيرت الظروف أو اضطربت فإن تلك المصداقية تتحول إلى قوة تضليل وتشويه وإذا كانت تلك الإذاعات في الظروف العادية تتظاهر بأنها تستقطب في مجال عرض الرأي ألوان الطيف من المتحدثين والمناقشين فإنها في الأحداث العاصفة لا تستقطب سوى لون واحد ليقدم تصوره الأحادي عن الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن هنا، وفي ظل التغييرات العميقة التي يشهدها الوطن العربي والعالم لا يجوز للإعلام العربي أن يجعل الملايين من أبناء هذه الأمة ضحايا الإعلام المعادي الذي يقصفهم - صباح مساء - بما في ترسانته الكلامية من أكاذيب وأساليب وإثارة وتشويه للحقائق، ويستطيع الإعلام العربي أن يكون عربياً حقاً وغير خاضع للشباك التي تمسك الصهيونية العالمية بكل خيوطها المنظور منها والخفي، وبدون ذلك فإن البديل لن يكون الإعلام الشفوي الذي يقوم على الإشاعات والتخمينات وحسب، وإنما سيكون الإعلام المعادي بكل ما يقدمه من السم الخالص بعد أن انتهى من تقديم السم في السم.

تأملات شعرية:

مطراً أسود

ترسل الكلمات إلى الأرض

والناس،

من يشتري صخباً لزجاً

ويبيع ينابيع فضته

بحروفٍ من اللغة الخائبة؟!

أيها الصمت..

يا سيد الحرف خذني إليك

فإني سئمت الكلام

سئمت مواعيده الكاذبة.