الفلوجة: إذا الشعب يوما..

د. خالد الكركي/كاتب وأكاديمي من الاردن

إنها الفلوجة، وردة الصبر والتحرير،

وإنها بغداد، جمرة الغضا التي تتوهج ضحي وحرية،

وانهم القابضون على الجمر من فتية المقاومة، وفي حضرتهم نقرأ دفتر الحرية المخضبة بدمائهم، وقد علمونا ان بها أي الحرية، ينهض العاجز من قعوده، ويخرج الخائف من عزلته، ويبرأ الوهن من ضعفه، ويتمرد الحرف على كاتبه، وينشد العاشق على هواه، ويجتاح الدنيا قلق مبدع، ويمنحنا الزمان عفوه ورضاه.
إنها الحرية التي تلوح دارها فتنادي هذا ربع عزة فاعقلا....، والتي نقف على عتباتها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه، والتي تحضر في الكتابة والقلق نبعا وغيما وفيضا من النرجس والهوى،
إنها الفرس المكابر، وروح الفقير الصابر، ضحكة القلب وبراءة الحنين الأول،
إنها شوق الغريب، وصمت المقهور، وأرجوان الشهداء الذي يخضب شقائق النعمان...
إنها غضب المدن القادم على الأمر الواقع..... وقد رآها عبد الرحمن الكواكبي غائبة، وتمنى حضورها، فصاح بنا قبل مئة من السنين:
ان البلية فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية، هي ما حُرمنا منه حتى نسيناه، وحرم علينا لفظه حتى استوحشناه.....
فهل تخرج النفوس التي وطنت على الخوف إلى فضاء جديد لا يخشى فيه إنسان من ظالم أو غاصب أو غدّار مغتال!
وباسم الحرية التي عرفها الصعاليك والرعاة نقف عند عتبات الفلوجة وغزة، ونقرأ على شواهدهما:
ان الذين لهم وطنٌ
يملكون دماً،
ليعيشوا به فوقهُ،
أو يموتوا به فوقهُ،
إنما دمُكم، حين أوطانكم تستباحُ،
حرامٌ عليكمٌ.
وباسمها الغالي سيخرج أبناء أمتنا غاضبين لصد الاحتلال الأمريكي، وسيتراءى لهم وهم يتقدمون للمقاومة أنظمة تتمترس في مواجهة الشعوب، ويسمعون جهارا من يتنكر للمقاومة والجهاد، لكنهم يتقدمون في غمرة ثورية صوفية، ينشدون ألقها وحريتها وصباها، وصوتها العظيم، وسيكون النهار جديدا لا تختلط فيه المفاهيم، ولا يظل بيننا وحولنا من يجبر على ان يسمي المقاومة إرهابا، والشهادة انتحارا، والمجاهدين مخربين، وسينتهي زمن الشر الأمريكي ـ الصهيوني المثقل بالطمع والكذب والخداع،
آنذاك ستزهو الفلوجة بالنصر، وينادي في حضرتها صوت من العراق:
عريتِ كل القبحِ في الدنيا وما
عرّوا عليك سوى ضمير يقلقُ
وسوى قلوبٍ عامراتٍ بالهوى
وبريقِ سيفٍ باسم ربك يُمشقُ
ان مقام الحرية غال وعزيز،
وعلى المثقفين ان يختاروا مواقع رؤاهم إلى جانب الحرية، أما إذا اختاروا الانحياز إلى المستبدين والأعداء فأن وعيهم زائف، وهم مجرد مجموعة من الطفيليين والندمان والمنافقين والعملاء، وفي أول صفوفهم أولئك الذين وقفوا إلى جانب المحتل، ونظروا لغزوه، وحرصوا بعد ان تمرسوا في دوائره وإعلامه على تهشيم الصورة القومية للأمة العربية، وتشويه المقاومة الباسلة، والإيغال في تكرار عذاب أسيادهم عن الحقوق والديمقراطية والعولمة.
إن ثمن الانحياز للأمة والحرية والمقاومة هو كرامة الموقف وشرفه، وقد تكون الطريق موحشة، والزمان يبابا، لكن التصدي للقهر والاحتلال والاستبداد بحاجة إلى شهود وشهداء، ومن كان يطيق منظر الحاكم الأمريكي في بغداد الجريحة، فليقل لنا: كيف يقرأ التاريخ القومي الذي ظلت بغداد ـ وهي باقية إلى آخر الزمان ـ جوهرته وسيفه وكتابه وخلافته! ومن لا يرى ضيرا ان تهتز مشاعره وهو يرى ذاك الحاكم وسيده يجولان في أرض الأمة فليحدثنا ـ لا رعاه الله ـ عن فهمه للمروءة وملحقاتها من القيم الخالدة في تراث امتنا العظيم!
إنها الحرية،
وهي هناك: عند القمة العالية، ووراء الجبل المهيب، عند كل نبع صاف وفي كل ضمير نقي... إنها وراء أسوار السجون، أبعد من النجم واقرب للمشتاق من حبل الوريد.....
إنها خلف الحراس الذين يمنعون الصبا من العبور إلى قلب العاشق،
وفي دم الأجيال التي ترث الغضب والزهو من زمان الشنفري البعيد...
وفي الذين خرجوا إلى ميادين مصر ذات زمان وهم يهتفون بلادي بلادي حتى خرج الإنكليز من مصر،
وفي الذين اجتاحوا الاستعمار الفرنسي في الجزائر وأخرجوه وهم ينشدون قسما بالنازلات الماحقات،
وفي الذين صدوا جيش الصهاينة في معركة الكرامة وهم يهزجون اضرب رصاص خلي رصاصك صايب،
إنها روح المقاومة التي تزلزل الأرض تحت أقدام الغزاة...
إنها في جرح جنوبي لبناني، وألق مقاتل فلسطيني، وصوت مواطن هده القهر فخرج غاضبا وهو يرى صبر العراقيين وجراح الفلسطينيين، والأمة هامدة من المحيط إلى الخليج كأن لا شيء يولد فيها، ولا يحيا، ولا شيء يموت فنادى: في رأد الضحى: أخي جاوز الظالمون المدى...
إننا نتوق إلى زمان جديد، لا تصبح فيه السياسة رقا، ولا التعليم تلقينا، ولا العمل سخرية، ولا الحديث عن الحقوق خروجا! انه زمن/فضاء من الحلم يشرق في نفوس الناس وهم يعرفون أنفسهم وأمتهم ومواقعهم، ويتقدمون نحو فكرة الأمة/الدولة، يعطونها وحدتها وشرعيتها، وأول شروط هذا التحول ان ينادي المثقفون على الناس بالحرية، وأن يطرحوا عليهم أسئلتها، وأن يوقدوا في أرض هذه الأمة منارات للصعاليك، والخوارج على سائر أشكال الاستبداد والخوف والقهر والظلم وأن يعلموهم أن باب الحرية بكل يد مضرجة يدق، وأن الألم العبقري الذي يتحملون هو بشأن الخلاص الجديد.
في كتاب حنا مينة عن ناظم حكمت، وردت رواية عن تيمورلنك الذي كان محتلا ظالما، وذات يوم أقام احتفالا عظيما ظهر فيه بكامل أبهته وترفه، وخطر له ان يسأل الشاعر (كرماني):
ـ يا كرماني، بكم تشتريني لو عرضت في سوق البيع؟
فأجابه قائلا: بخمسة وعشرين دينارا.
ـ قال تيمورلنك في كثير من الدهشة:
ولكن حزامي وحده يساوي هذه القيمة،
فأجابه كرماني: إنما كنت أفكر بحزامك وحده،
لأنك أنت نفسك لا تساوي فلسا واحدا.
إنه شرف الكلمة في الزمن المخادع، فهل ينتهي زمن النطع والسيف والتنور والخشبة والمسامير والنار والنصل، كي تنبت للناس ذاكرة لا تسجل إلا مواقف الحرية والفرح والحرب من اجل تحرير القدس وبغداد!
لقد كان كرماني، كما الشنفري وعروة بن الورد، مقدمة أو عهدا جديدا عرف العالم فيه لوركا، ونيرودا، ومحمود درويش الذين علمونا كيف نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.
إنه الوعد بالشمس الملتهبة بالحياة، لا بالخامد الميت في وجهي القمر... إنه صوت ناظم حكمت:
ألا فليتنكب طريقنا
أولئك المنتحبون في البيوت،
الحاملون دموعهم كسلال ثقيلة
في أعناقهم،
...... ولتشتعل ملايين القلوب
في النار المتساقطة
ولتنزع أنت أيضا
قلبك من قفص صدرك،
ولتقذف به في تلك النار
المتساقطة من الشمس،
اقذف بقلبك بين قلوبنا،
إنه الانقضاض على الشمس،
للقبض على الشمس
وقريبا نقبض على الشمس!
انه النداء نفسه منذ زماننا الأول.... وذاك هو صوت المتلمس الذي يعصر صفحات حماسة أبي تمام.
... فلا تقبلنْ ضيماً مخافةَ ميتةٍ
وموتن بها حراً وجلدك أملسُ
إنها الحرية، وهي إشراقة الروح ووعيها على الحياة والحق والعدل، وعلى الذين ينسجون رؤاها وعباءاتها ان يبصروا ما وراء غبار المرحلة النفطية ـ الأمريكية من قمع قادم، فالذين استقرت لهم صورة الهيمنة على العالم يمزقون آخر ما تبقي من خيوط الفرح في أرضنا، ولعل (بول بريمر) سيدخل التاريخ من اكثر بواباته قبحا، فهذا المحتل يريد فرض أمر واقع باسم الإقطاع الأمريكي الاستعماري الجديد، ويريد عراقا بلا جيش ولا سياسة ولا حكومة.... ويظن مثل الذين لم يقرأوا تاريخ العراق والأمة أنه قادر على خداع الناس والتاريخ.... لذلك ننادي في الأمة بالحرية، ونرى انتفاضتها الشاملة قادمة ضد الاحتلال والقهر، ونعرف أن صمتها ـ لو طال ـ سيتكشف عن خطاب إنساني تقدمي لا مواربة فيه ولا خوف ولا انكسار.
إنها الحرية التي تصعد نحو عين الشمس، وتكتب دفاتر تحولاتنا ونهضتنا ودولتنا القومية، وهي التي توقظ الغافلين من كهفهم كي يخرجوا إلى مدننا العظيمة، بغداد والبصرة والموصل... وحين يكتشفون أن الروم حول الضاد ينتشرون، والفقراء تحت الضاد ينتحبون، سيكتبون بأشواقهم للحرية وبسيوفهم فصلا جديدا في التاريخ لا روم فيه حول عمورية أو حلب أو بغداد.