بغداد: للقتلة وجه واحد

د. خالد الكركي/ناقد وأكاديمي من الأردن

السكوت في وقت الكلام خرس ، لذلك ينادي المنادون الصادقون في زمن لا رونق فيه ولا بهاء إن: تنبهوا واستفيقوا أيها العرب...! والعرب، يستشعرون الظلم الواقع عليهم، وهم بين السكوت والعجز موزعون..و حسبك داء أن تصح وتسلما.
فيا أيتها اللغة التي نحب..
يا أمنا العتيقة التي حملناها في رحلنا من مأرب إلى بصرى،
أني لك هذا الصبر على النفاق الذي يمس حواشيك من زمرة من الانتهازيين العرب ـ تخلت عن ثوابت الأمة، وراحت تهدم أرواح الناس ليل نهار، زمرة ممتدة من واشنطن إلى كوبنهاغن.
ـ يحتلون العراق العظيم، ويتحدثون عن إعماره!!،
ـ يسرقون كتبه ومتاحفه، ويقولون تعالوا إلى حوار الحضاريات!!،
ـ يمزقون نسيجه الاجتماعي طوائف وأعراقا ويتباكون على الديمقراطية!!،
ـ يستبيحون البيوت والحرمات ويتحدثون عن حقوق الإنسان!!.

انهم لكاذبون وقتلة، وإلا من أعطى قادتهم حق استباحة مدن العراق الغالية كأنهم ورثوها عن آبائهم.. وكأن المنصور ليس مؤسس بغداد أو أن المعتصم ليس سيد سامراء.
إنه نفاق مقيت، وقد عرفتهم الأمة من زمن سايكس ـ بيكو، إلى زمن بوش ـ بلير، وعرفت أغلالهم وظلمهم، ولينظر كل منا في تخوم منزله وأضرحة أهله ليرى دمنا الذي استباحوه على امتداد أرضنا، وليرى شجرا من ضوء زرعه عمر المختار ورفاقه، مذ ركزوا رفاته لواء في الرمل يستنهض الوادي صباح مساء فلتتوهج الكتابة بالحنين إلى زمن عربي قادم بالثورة، وليزرع الناس الحرية في بيوت الفقراء والمحرومين والمستضعفين، وليصل صوت رفض الأمة للغزاة إلى حنايا الروح.. بل إلى آخر زقاق في أبعد مدينة واصغر قرية.

ها نحن: لا طارق يحرق سفنه وينطلق باسم الله نحو تخوم الأندلس الجديدة، ولا كاتب يحرق /أوراقه ليبدأ الكتابة/ الثورة من جديد،
ها نحن وقد قدت قمصاننا من دُبر، وسارت بالحديث عن غفلتنا الركبان،
ها نحن في أول العشيات: إننا نستعيد صرخة الضليل امريء القيس اليوم خمر وغدا أمر وقد نسينا الحرية صغارا فدفعنا ثمن ضياعها كبارا.
... لكننا نقول من رسيس الجرح:
إنه الدم،
ولا عاصم اليوم غير النجيع العاطر في قمصان الشهداء المخضبة بآية الشهادة العظيمة ولا تحسبن...
فلتنهض هذه الأرض من أول صفحاتها النازفة، من فلسطين.. فلسطين التي تظل خيمة وعمودا من النار.. ووردة على ضريح شهيد..
ولتبدأ الرحلة نحو شمس بغداد المباركة يوم يطرد العراقيون اللصوص من أرضهم، وتزهر وردة التحرير على ضفتي دجلة ذات ربيع قريب، ولنقرأ على جدران فندق الرشيد إن:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري...

فمن يعبر الجسر العربي نحو القدس وبغداد!
من منا ما يزال نقيا مثل أول الينابيع!
ومن منا لا يسير في اتجاهين متناقضين؟!
من منا ما يزال وفيا للفرح والجائعين؟!
ومن منا يميز في لغته مفردات الجمر والحزن من مفردات الخوف والخائفين؟!.

ها نحن على قلق،
أحيانا،
تتراءى لنا الأرض مقابر، والبيوت سجونا، والصباح ظلاماً،
تتراءى لنا السياسة عجزا، والنار رمادا، والخيول بغال طروادة التي حملت الغزاة إلى مدينتنا ذات ليل عصيب...!
يتراءى لنا العدو الفاجر صارخا في الناس من ليس معنا فليمت.. فنداري سوءات خوفنا، ونغض الطرف كأننا لا نملك جنة/ وطنا عرضه الفضاء الممتد بين المحيط والخليج..
فمن يعيد الأناشيد بلونها وعطرها وصباحاتها إلى حقائب أطفالنا من جديد؟!!
ومن يعلق البشارة فينا بأننا نملك الأرض والنهر والحبر؟!..
وأننا كلنا هناك عند حدود الشهادة على صهوة جواد جامح يصيح بنا دمه انم الفتوحات في الأرض مكتوبة بدماء الخيول!.
ومن... ومن! ونحن على أجنحة الوهم راحلون!!
لقد استذأب الغزاة.. بل استكلبوا، وهم عبدان أطماع وفوضى، والنار دائرة من حولنا، وأهلنا في العراق ينهضون من كبوتهم، وعهدنا بهم زادة وقراة ضيف كينبوع الصف، خشنوا ورقوا، ونحن ننشد لهم في غيابهم وحضورهم:
أبيتم ذلة والماء صاف
فكيف بذلة والماء رنق.

أقول،
تلك القدس،
وتلك هي بغداد،
وتلك هي البصرة،
وتلك هي نابلس،
مدن تتسربل بالدم وتوزع أحزانها بين الزيتون والنخيل،
مدن تحفظ ذاكرة الفتوحات والخيل والليل والسيوف،
مدن يحاصرها الجنون الصهيوني ـ الأمريكي ـ البريطاني ومن تحالف معهم من عجم العرب والأعجام.
فمن أي قمر أرجواني تطلع القصائد التي تشعل حرائق الوجد والحنين..
اعترف أنني أحاول أن أحرر لغتي من لغتي وهم بأنني غير مهزوم،
واعترف أن طواف ذو الرمة في صباحات مي وعينيها لم يعد قادرا على بعث الروح في مربد البصرة من جديد،
واعترف أن الضوء الذي يتساقط فرحا من عيني سيدة حين كانت تسألني عن بغداد لم يعد حاضرا في الليالي، وليل العاشقين طويل،
واعترف أنني أداري جمر حزنها الصاخب بين كفي، وعهدي بها تخبئ ورد روحها ورؤاها البيض في شرفات فلسطين..
أقول لها:
أمس، بكي صاحبي، ومثله بكيت،
قلت له: أهذا ربع عزة!
قال: كلانا عاشق وقتيل، ونحن نحاول موتا شريفا، وفي الموت من بعد الرحيل رحيل.

ها نحن، تجتاحنا بغداد كل ليلة بيرقا وسيفا وكتابة،
ونرى قيامتها آتية لا ريب فيها،
نراها طالعة من الورد والخناجر وأضرحة الشهداء،
نراها، زهرة الشمس التي ترتدي زهو دجلة،
تتمرد على القيد، وتخرج من لجة الطوفان.
ذاك هو وجهها في غبش الفجر،
وبغداد، دمها الطريق، وفجرها حلمنا القريب والبعيد.


أقول بغداد،
يا لؤلؤة الوعد القادم،
قد فاض الغيظ،
وخبز الفقراء العرب ليس في إيوان كسرى أو بلاط الروم،
فليكن الموسم غضبا وأسراب حرية،
حتى نفك حزننا،
وندون على جدران الكوفة أسماء الشهداء الممتدة بين المتنبي وبين السياب،
ونقول: للقتلة وجه واحد،
من فاتك حتى هذا العلج الرومي الحاقد.
سوف يصحح التاريخ وعيه أمام هذا الزيف الغربي الكبير،
ويعترف بأن المستوطنين الصهاينة قد دمروا فلسطين،
وان مستوطني أمريكا الشمالية قد أبادوا السكان الأصليين،
صائدين لهم بالكلاب المتوحشة، وذابحين النساء والأطفال، ومتلفين المحاصيل،
وناشرين مرض الجدري بينهم بواسطة توزيع البطانيات حاملة العدوى،
وأن الأمريكيين قد دأبوا على قطع الأشجار والهنود،
وبعدهم كان (ونستون تشرشل) يرى أن من الصحيح تماما استخدام الغازات السامة ضد القبائل غير المتمدنة (وبالأخص الأكراد والأفغان).
إنه زمن فيضان مبادئ الشر الغربية الجديدة التي يسيرون في ظلها ويسقطون ما فيهم على الآخرين، وعلى الذين يدعون إلى حوار الحضارات، أن يتمسكوا بقيمنا نحن في الحرية، والتسامح، والروح الإنسانية النبيلة، لأننا إن أشبهنا أعداءنا القتلة صرنا أشرارا مثلهم.
أعود فأقول: أنهم لكاذبون،
وأنهم يشكلون إمبراطوريتهم وعصرهم الإمبريالي الجديد، ويضطهدون الأحرار الشرفاء من مواطنيهم الذين يعارضون حروب أمريكا، ويرون وجوه من يحبون بلادهم تحمر عارا. وقد قال (نعوم تشومسكي) في هذه الحالة: في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة هي التي تولت قسر العالم، ضامنة مصالح ذوي الامتيازات، لذلك فقد كونت سجلا مؤثرا من العدوان والإرهاب الدولي، والمذابح، والتعذيب، وأسلحة الحرب الكيميائية، والجرثومية، واختراقات حقوق الإنسان بكل الأشكال التي يمكن تصورها!!
فهل يفسر لنا أحد من المعجبين بالسياسة الأمريكية ماذا فعلت أمريكا بالمكسيك، وكوبا، وأمريكا الجنوبية، وفيتنام، وأفغانستان، والعراق؟!
هل يصدق أحد (ما عدا الأدعياء المتسلقين على شجرة الثقافة العربية وفضائيات الإعلام العربي)، أن قتلة سلفادور الندي، وأعداء مصدق، وعبد الناصر، وغيفارا، وكاسترو، وهوشي منه، يحملون للعالم خيرا؟! وهل يصدق أحد أن رعاة ا لحرب هؤلاء أرادوا من أنظمتنا غير أن تكون (زمن الحرب الباردة) معهم ضد الشيوعية مقابل سكوتهم على ما تتعرض له الشعوب من اضطهاد!!، واليوم يريدون منا أن نقف ضد أنفسنا بأن نكون معهم وهم يحرضون على القومية العربية وعلى الإسلام!
لكنهم على الرغم من هذا كله، لا يستطيعون قتل التاريخ!
أقول: آن أن تخرج النخبة العربية من الذهول إلى التحليل،
وآن للمثقفين العرب أن يبدأوا نقدا ذاتيا وعميقا وجارحا في آن،
وآن لنا أن نجيب عن أسئلة الناس، وأن نحاورهم حول الحرية والنقد، والمستقبل مهما اشتد الضجيج، وتكاثرت صور القمع والاضطهاد..
آن لنا أن نشهد تشكيل جبهة ثقافية عربية تعلن أنه لا بد من ثورة ثقافية تناقش الفكر الذي وقفنا عنده، وفكر الآخر الذي انبهرنا به.. وآن لنا أن نعمل من اجل عودة الوعي القومي إلى الجماهير التي لم تعد تصدق أحدا أو تراه رمزا ما دامت الهزائم تطبق عليها من كل حدب وصواب.
إن المطلوب من الطليعة تغيير شامل في الحياة العربية، وفي القضايا التي شغلت حالنا في القرن العشرين: التقدم، والحرية، والعدل، وحداثة الفن والحياة!
إنه زمن البحث عن أسباب التقدم وظروفه، واستنبات، ديمقراطية حقيقية.. نعرف أن الشعوب العربية إن توصلت إليها سوف تشطب حدودا قائمة، وتغير اتجاهات عقيمة، وتؤسس لزمان الحلم بالولايات العربية المتحدة التي تكون ردنا على الخوف والاستبداد والهزيمة.

صوت
قفوا يا شباب،
كليبٌ يعود،
كعنقاء قد أحرقت ريشها
لتظل الحقيقة أبهى...
وترجع حلتها في سنا الشمسِ أزهى...
وتفرد أجنحة الغد،
فوق مدائن تنهض من ذكريات الخراب
(أمل دنقل، أقوال اليمامة)