بقلم:
فؤاد الحاج/كاتب وصحفي يقيم في استراليا
ما
أشبه اليوم بالبارحة!!.. ها نحن نعيد نشر ما كنا
كتبناه منذ عدة سنوات.. الغاية من ذلك فقط
التذكير بالإضافة إلى مخاطر ما تبثه بعض
وكالات الأنباء وبعض إن لم تكن كافة
الفضائيات الناطقة بالعربية مع الأسف الشديد،
التي تورد مسميات مذهبية وطائفية عن قصد أو
دون قصد وكذلك تنشر وسائل الإعلام العربية
المقرؤة وتفرض على الكتاب فيها استعمال بعض
الكلمات التي ترفضها الأغلبية من أبناء الأمة
العربية في كل مكان. ومع العلم أننا نشك أن
يكون ذلك دون قصد لأنهم يريدون ترسيخ مسميات
وأنماط من الألفاظ التي تخدم قوى الشر وأعداء
الإنسانية في العالم وأعداء العرب على وجه
الخصوص تحت مسميات الحرية والديمقراطية
والرأي والرأي الآخر كما فرض أعداء العرب
والعروبة مسمى (اسرائيل) على فلسطين المحتلة
وكلمة (الصراع العربي-الإسرائيلي) بدلا من
الصراع العربي الصهيوني وغير ذلك الكثير من
الكلمات التي يعرفها كل عربي حر وشريف وذلك
بدعم وتأييد من أنظمة الذل والعار في البلاد
العربية، ومع الأسف الشديد باتت معظم الأحزاب
العربية تردد هذه الكلمات بحجة أن القوانين
التي تم تشريعها في البلاد العربية بعد عام 1991
لا تسمح بذلك!!.. وتحديدا منذ لقاءات مدريد بين
ممثلي بعض الأنظمة العربية العلنية وبين
أعداء الإنسانية، كما تم تعديل وتشريع العديد
من القوانين منذ ما سمي بـ(اتفاقية أوسلو)
السيئة الصيت، والسؤال هنا ترى متى كانت
الأحزاب هي أحزاب سلطة لترضى وتستجيب لمواقف
السلطة، ألم تنشأ هذه الأحزاب والتنظيمات كرد
فعل على اغتصاب فلسطين والاسكندرون والأحواز
وطرد المستعمرين الغزاة من البلاد العربية؟!!..
على أية حال بما أن دوام الحال من المحال وأن
القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكون
أمريكيا، وأن إدارة الشر الأمريكية بدأت بحفر
مقبرتها بنفسها وأن العالم كله سيثور ضدها
وسيفرح كثيرا ويشمت كثيرا بها، ومن باب
العلاقات الإنسانية بين الشعوب نتمنى على
شعوب أمريكا وأستراليا وبريطانيا المختلفة
الأصول والأعراق أن تتخذ قرارها بالوقوف مع
وحدة استقلال وسيادة دول العالم وحرية اختيار
الشعوب لحكوماتها وأنظمتها وأحزابها متخذين
من الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي
للبلاد العربية والأفريقية الدروس والعظات
لذلك اقتضى التنويه.
ما
أن انتهى عهد الاستعمار العثماني(التركي)
للوطن العربي الكبير حتى وقع تحت نير
الاستعمار البريطاني- الفرنسي - الإيطالي
الذي بدوره قسمه إلى أجزاء ليسهل عليه التحكم
في مقدراته حيث تم زرع العائلية والعشائرية
ومن ثم كانت الطبقية بشكل عام ضمن سياسة فرق
تسد من اجل السيطرة على رقاب العباد وسلب
ثروات وخيرات الطبيعية في الوطن الكبير من
المحيط إلى الخليج.
ومع
نهاية عقد الأربعينات كان الاستعمار الغربي
قد بدأ بالخروج مرغما من الوطن العربي بعد
فشله بالسيطرة التامة عليه، ولكن الغرب
الاستعماري زرع كيانا غريبا في قلب البلاد
العربية.. كما ترك فيه أذنابا تابعة له منهم
زعماء ادعوا الوطنية وملوك وأمراء ورؤساء
ارتهنوا بطريقة مباشرة وغير مباشرة لأعداء
الشعوب. وأخطر تلك الأذناب كانت الحركات
الطائفية والمذهبية من كل الأديان.
ومع
نهاية عقد الخمسينات من هذا القرن كانت
الحركات القومية الوطنية قد برزت بشكل فاعل
ومؤثر في مجريات أحداث الوطن من المحيط
الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، حتى
يمكن القول أن الخمسينات كانت فعلا عصر
القومية العربية الذهبي، بعد أن لاقت تلك
الحركات والتنظيمات الدعم والتأييد المطلق
من مختلف قطاعات الشعب العربي في كافة أقطاره
المجزأة وكلها تنادي وتعمل من اجل إزالة
الحدود المصطنعة بين أقطار الوطن العربي
الكبير ومن اجل وحدة شعبه. ويمكن القول أيضا
أن عقد الخمسينات بالفعل هو عهد الازدهار
الوطني، عهد إحياء الوطن الواحد أرضا وشعبا.
وفجأة
برزت الحركات المعادية بدعم غربي إمبريالي-
صهيوني وبدأت قوى الاستعمار بحصد ما زرعوه
عبر جواسيسهم وعملائهم، وقد نجحوا في تقسيم
الحركات السياسية الوطنية والقومية إلى
أجزاء متناحرة، وكل من عايش تلك الفترة يذكر
تماما كم من فئة تقاتلت مع فئة من ذاتها وكل
منها يدعي انه الشرعي لتلك الفئة، وكل يذكر
أنه في تلك الفترة كان الصراع على أشده بين
القوميين العرب بشكل عام والجماعات الطائفية
التي ساندت أعداء العرب بحجة الدين أو المذهب،
وفي هذا المجال نذكر قضية لواء اسكندرون التي
استولت عليها تركيا بتأييد من حركات إسلامية
على اعتبار أن تركيا دولة مسلمة كما يسمونها،
وكذلك أيدت حركة الشيوعيين في سوريا آنذاك ضم
لواء اسكندرون إلى تركيا على اعتبار أن
السلطة آنذاك في فرنسا كانت شيوعية.. وبذات
الوقت كان الصراع على أشده أيضا آنذاك
الحركات الشعوبية والعنصرية في الوطن العربي
التي كانت تخدم بأعمالها أهداف الحركة
الصهيونية والاستعمار الغربي، وكم من مشانق
علقت للعناصر القومية الشريفة ولنسائهم في
أرجاء الوطن الكبير الذي كان يئن من وطأة
الاحتلال الصهيوني لفلسطين العربية.
ومن
المعروف أنه عندما تخمد الدعوات القومية كان
وما يزال يبرز دائما نقيضها المباشر وهي
الحركات الطائفية بأشكالها المذهبية من اجل
إبقاء الفتن بين أبناء الشعب الواحد. ومن
الملاحظ أن أعداء العرب دائما يبرزون تلك
الدعوات والحركات عبر وسائل إعلامهم وهم
الذين يغذونهم بطرق غير مباشرة ويحتضنون
زعماء تلك الحركات ضمن شعاراتهم المزيفة التي
يسمونها (الديمقراطية)، وبذات الوقت يدعمون
الحركات الإقليمية والعنصرية ضمن شعاراتهم
البراقة الجوفاء من اجل الإبقاء على تقسيم
الوطن وإبقائه متناحرا مجزءا.
ومنذ
منتصف الستينات وحتى يومنا هذا والصراع على
ما زال على أشده في البلاد العربية، وما زالت
تلك الحركات بين مد وجزر وكذلك الحركات
القومية.
وكم
من حزب أو منظمة قومية ذاق عناصرها الويل بسبب
معتقده السياسي، منهم من مات قتلا ومنهم من
بات عليلا جراء الأمراض التي الخطيرة
والتعذيب الجسدي والنفسي في أقبية أنظمة تدعي
العروبة وتقول أنها تعمل من اجل تحرير فلسطين
وكامل التراب العربي المغتصب.
ضمن
هذا الاختصار الشديد يمكن أن نستشف السبب
الأساسي الذي استدعى أرباب الإمبريالية في
الدول الغربية بقيادة الحركة الصهيونية
العالمية لوضع اسم جديد على الخارطة السياسية
للعالم وهو "الشرق الأوسط الجديد" بدلا
من استعمالهم كلمة (العالم العربي) كما كانوا
يسمونه سابقا، وهو ما روج له إعلام تلك الدول (الديمقراطية)،
وكذلك بعض وسائل الإعلام في البلاد العربية..
حتى بات بعض سياسيي الغرب عامة ووسائل
إعلامهم وهنا في استراليا يرددون بأن "هذا
شكله شرق أوسطي"!!.. كل ذلك من اجل تهيئة
العالم والبلاد العربية تحديدا للدخول في ما
أصبح يطلقون عليه اليوم (العولمة) التي هي جزء
مما يسمونه (النظام العالمي الجديد) الذي
يريدون من خلاله السيطرة على الثروات
الطبيعية في أرجاء العالم، كما يريدون أن
يحولوا الإنسان في هذا العالم إلى عبد كما كان
في العصور السابقة، ضمن نظام اقتصادي عالمي
جديد.. أو ليصبح آلة أو رقما لا أكثر..
وبما
أن ما تحدثنا عنه في الأسطر القليلة السابقة
يحتاج إلى ندوات ومجلدات، نود أن نطرح على
العالم كله وعلى كافة القوى الخيّرة في
البلاد العربية وعلى القوى الحية فيها أن
تعمل على العودة إلى جذور تأسيس الأحزاب
والمنظمات العربية التي تحاول اليوم تفتيتها
ضمن سياسة (فرق تسد) أولا وثانيا من أجل منع
بروز أي مجموعة متضامنة تعمل من أجل الجماهير
ومصالحها في كل مكان خاصة بعد أن تم القضاء
على الحركات النقابية التي كان المواطن يعتمد
عليها في الحصول على حقه من أرباب العمل، وفي
الوقت ذاته يجب على كافة القوى الحية أن تلتقي
من اجل مواجهة مخاطر (النظام العالمي الجديد)
الذي يعمل على تسليم مقدرات البلاد العربية
للعدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين وللشركات
النفطية وللدول المنتجة للصناعات العسكرية
التي تسيطر على العالم وتعمل من خلال أجهزة
الاستخبارات الأميركية والأوروبية بشكل عام،
وخير دليل على ذلك الأحداث المؤلمة التي حدثت
في لبنان والتي تحدث في الجزائر كما في اليمن
مؤخرا وفي بعض البلاد العربية الأخرى، والتي
نتوقع أن تهدأ في الجزائر لتبرز في بعض البلاد
الأخرى.. وهنا يأتي دور المتزعمين لبعض فصائل
الثورة الفلسطينية الذين باركوا الاغتصاب
وأعطوه الحق في الاحتفاظ بما اغتصب وإلى
الأبد، والتعاون مع الغاصب على السيطرة
الاقتصادية بعد تكريس التجزئة الحالية في
الوطن العربي الكبير من خلال الأنظمة العربية،
ومن ثم تكريس عروش تلك الزعامات والأنظمة
الذين يعملون على تحقيق أحد أهم قواعد سياسة
الحركة الصهيونية وهي إقامة (الحصون المنيعة)
لحماية الكيان الصهيوني المصطنع في قلب الوطن
العربي.
من
هذه الزاوية يمكن أن ننظر إلى ما حدث في شمال
العراق وجنوبه وما يحدث في السودان وكذلك إلى
اتفاقية الطائف التي كرست الطائفية في لبنان
كتابيا بعد أن كانت عرفا شفهيا.
من كل ما تقدم نرى أنه لا يمكن أن تستقيم مصلحة الوطن العربي الكبير حتى تقام فيه الوطنية مقام الطائفية البغيضة التي كانت وستبقى آفة الوطنية والقومية، ولا يعنى فيما نقوله أننا ضد الدين بل على العكس من ذلك إننا من أشد المتحمسين والمدافعين عن الدين ولا نفرق بين هذا أو ذاك وأننا ضد الإلحاد مهما كان ومن أينما أتى. كما أننا نؤمن بأن مَنْ لا دين له لا يمكن أن يكون لديه إيمان، ومن كان كذلك لا يمكنه أن يكون أمينا على أرض أجداده ووطن أحفاده.