زمن الوقاحة والعهر السياسي الأمريكي..

إذا طلب مني أن استخدم كلمة واحدة لوصف السياسة الأميركية فأنني لن أقول الغطرسة أو التكبر أو الهيمنة أو الصلف، بل سأقول: الوقاحة، إن سياسة الولايات المتحدة أوقح سياسة عرفها العالم في العصر الحديث، أو لنقل بعد انتهاء عصر الاستعمار أو هي الوقاحة متجسدة وليست فكرة مجردة، والوقح ليس من يرتكب الخطأ أو الفعل الشائن، بل من يجاهر بفعلته ويتباهى بها، ومنتهى الوقاحة أن يطالب الناس باحترام فعله المنكر وتأييده فيما ذهب إليه.

والوقاحة الأميركية ليست وليدة اليوم ولا هي من اختراع جورج بوش الصغير لكنه وصل إلى أقصى درجاتها، الوقاحة الأميركية كانت موجودة دائما ولكن وجود قوتين عظميين ومعسكرين متقابلين كان يحد من هذه الوقاحة (أحيانا) فلما انفردت الولايات المتحدة بلقب القوة العظمى أطلقت لوقاحتها العنان.

ومن ابرز مظاهر الوقاحة الأميركية ما أعلنه بوش الصغير بعد حدث 11 أيلول/ سبتمبر حيث أعلن وبصراحة ان ساسة أمريكا هي ضمن قاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا"!!.. ومن ثم دان هو وإدارته جماعات وتنظيمات وأشخاصا وشركات ومؤسسات وأحزابا (إرهابية) حسب قوانين (فصّلتها) بما يخدم أهدافها وآراءها، ولم تقدم دليلا واحدا مقنعا على ما ارتكبت من مخالفات (وقحة) للمواثيق والأعراف والمعاهدات والقوانين الدولية، سوى أنها ضد الكيان الصهيوني، وبعد كل حادثة في العالم يتبرع بوش الصغير ليعلن أن "حرب القضاء على الإرهاب لم تنته". وكأنه هو سيد العالم ومالكها.. ومن ثم يتساءل البعض في أمريكا "لماذا يكرهوننا؟"!!.. ترى ألا يعلم بوش الصغير وكل الذين يطرحون هذا السؤال لماذا العالم كله تقريبا يكره أمريكا؟!.. فهل احتلال أفغانستان ومن ثم العراق وتهديد عدد آخر من دول العالم بالقمع والعدوان لا يكفي كي يكره العالم أمريكا؟!!..

ولنأخذ الحدث الأهم وهو غزو العراق، بعد أن قررت إدارة بوش الصغر أن العراق يشكل تهديدا للأمن والاستقرار الدوليين، وأنه تحديداً يهدد أمن أمريكا وأمن (اسرائيل)، وأنه يمتلك أسلحة دمار شامل، ويسعى في المستقبل إلى امتلاك أسلحة نووية، وأنه يساعد الإرهاب الدولي، دون أن تقدم أي دليل على ذلك!!.. وكل المتابعين للسياسة في المنطقة العربية يعرفون أن العراق يقدم الدعم والمساعدات المادية والمعنوية وكان يقتسم الغذاء والدواء مع الشعب الفلسطيني الذي يعمل على التحرر والاستقلال والتخلص من نير ظلم الغاصبين.

فقررت إدارة الشر الأميركية شن العدوان على العراق، وأعلنت بكل وقاحة أنها تريد إسقاط نظام الحكم فيه، واحتلاله وإقامة سلطة موالية لها، ثم إعادة ترتيب المنطقة ضمن خرائط ومخططات جديدة تخدم أهدافها وتحقق مصالحها!!..  واحتقرت الأمم المتحدة ومجلسها الأمني بعد أن ألغتها من الوجود، وطلبت من الدول طرد الدبلوماسيين العراقيين وتجميد الأموال العراقية، بل أنها صادرتها في مظهر (وقح) من مظاهر اللصوصية على طريقة عصابات شيكاغو.

ودعت الولايات المتحدة دول العالم كلها إلى مساندتها عسكريا وإرسال كتائب أو فرق من قواتها المسلحة آملة أن تحقق تحالفا كالذي حققته في عام 1990، وأعلنت ترحيبها بأية مشاركة حتى لو كانت بمائة جندي!!.. فلم تجد تلبية لطلبها إلا من الدول التي تتحكم فيها عصابات من أصول (أنغلو سكسونية) مثل استراليا وبريطانيا، والبعض الآخر لم يساهم عسكرياً مثل بعض دول شرق أوروبا الجدد الذين تتحكم فيهم أنظمة تشترى وتباع لمن يدفع أكثر..

وعلى الرغم من أن العراق دولة مستقلة، وذات سيادة، معتدى عليها برأي معظم دول العالم، وحتى شعوب الدول التي تحالفت مع إدارة الشر الأمريكية الصهيونية كان من حق العراق لرد هذا العدوان أن يستعين بأي أحد، ومن حقه أن يحاول الحصول على السلاح أو قطع الغيار بأي طريقة، ولكن الوقاحة الأميركية تريد من الجميع أن يشاركوا في حصار العراق، ولذلك جاء تهديد سوريا وغيرها الذين أسمتهم إدارة الشر الأمريكية (محور الشر) على الشبهة.. وكان لها ما أرادت من هذا التهديد..

اليوم وكما يعرف الجميع أن هذه الإدارة الشريرة وجنودها المرتزقة ارتكبوا ولا يزالوا يرتكبون أفظع الجرائم في العراق، ويقتلون الأطفال والمدنيين العزل، كما حدث مع سائق التاكسي الذي تناولت أخباره بعض وكالات الأنباء تحت عنوان (القوات الأمريكية تقلا سائق تاكسي في العراق بدم بارد)!! دون أن يعرف أحد عن المجازر التي ترتكبها قوات الغزو الأمريكية في السر تحت مسمى (التخلص من عملاء النظام السابق)!..

ولإدارة الشر الأمريكية أعطت لقواتها الغازية الحق في أن تقصف أي هدف مدني وتسميه (مكان يأوي مقاومين تابعين للنظام السابق)!! أو (عصابات) وبهذا المفهوم يصبح من حقها قتل أي مواطن عراقي لأنه قد يكون الآن أو في المستقبل مقاتلا.

لذلك على الجميع إعادة استعراض ما حدث خلال الغزو الأمريكي البريطاني الهمجي القذر وستجدون أن الوقاحة عنوان لكل ما يفعله هذا الأميركي الوقح على أرض الرافدين.