عين الكاميرا

رشاد أبو شاور
(إلى عيني الشهيد طارق أيوب)
بعد وقفة اضطرارية، وإغماضة قسرية، مفتعلة، وإجرامية.. لعين الكاميرا، وهو ما يدفعنا لتذكّر عيني طارق أيوب اللتين أغمضهما صاروخ أمريكي وجّهته يد الشر، وبعد التخلّص من محمد جاسم العلي مدير (الجزيرة) عقاباً له بعد اتهامه بالانحياز للعراق وصدّام، تماماً كما اتهم غالاوي نصير الحق وصديق العرب الذي حاولت النيل منه صحف أمريكية وبريطانية يا طالما ادّعت النزاهة وحريّة القول والديمقراطية إلى أن افتضح كذبها مّما اضطرها للاعتذار غير المقبول من غالاوي الشجاع.. ها هي عين الكاميرا تفتح من جديد، والفضل في ذلك لبطولات العراقيين، الذين يسيرون على طريق أخوتهم عرب فلسطين، وعرب لبنان، والذين يشعلون النار تحت أقدام الغزاة المحتلين الأميركان، والإنكليز..
مرّ وقت قصير، لكنه ثقيل على النفس العربية الأبيّة، منذ (أدخلت) الدبابات الأمريكية بغداد، ترافقها، وتغطيها هجمة من القصف النفسي والعقلي والمعنوي للإنسان العربي بحيث تحتل رايات الهزيمة والانكسار نفوس ملايين العرب من المحيط وحتى الخليج!
وأمام الكاميرات تسيّد الخونة، ومروّجو الهيمنة والسيادة الأمريكية، والمرحبون بفتح الأبواب (لليهود) الذين اندفعوا إلى بغداد لنهب المتاحف، وتدمير التراث، وسبي نبوخذ نصّر، وشراء أجمل البيوت البغدادية، فالاستباحة انقضّت انقضاض الصاعقة، فمن يملك أن يرفع صوته مبشّراً بالمقاومة، بأنها حتمية، وبأن شعب العراق ليس مجموعات من اللصوص، وخونة الشرف العسكري، وباعة التراث، والمرضى طائفياً؟!.
الكاميرات، واستوديوهات الفضائيات العربية، بخّاصة المنبتّة، والتي توظّف طائفيين كارهين لأوطان أنجبتهم، نابشو قبور، الذين لا يشدّهم انتماء للعروبة، يوجّهون الكاميرات بعيداً عمّا يقترفه المحتلون الغزاة الأمريكان، ولإنكليز، واليهود الصهاينة الزاحفون لسرقة العراق تحت رايات (الديمقراطية) الطافحة بالموت وشهوة النهب والانتقام!..
لكن عيون الكاميرات تضطر الآن رغم انحياز بعضها، وخوف بعضها، وتمويل بعضها.. أن لا تواصل إغماض عينها عن المشاهد العراقية البطولية اليومية!..نعم اليومية، فالمقاومة العراقية باتت يومية، مع أنها ابتدأت متقطّعة ـ وهي مع ذلك فاجأتنا بسرعة نهوضها، ومغادرتها لحظة اليأس الثقيلة ـ ومتواضعة، وبحجم قتيل أمريكي واحد في (الوجبة)، وفي اليوم.. ومن بعد تزايدت الخسائر، واشتعلت النيران في النفط الذي بدأ الكيان الصهيوني يبشّر وبلسان المجرم نتنياهو أنه سيتدفق بعد انقطاع منذ عام 48 ليروي أرض اللبن والعسل..
أذكر أنني قرأت وسمعت من صحفي عربي تربّى وترعرع وأثري من خدماته الإعلامية النفطية، انه استبشر خيراً عندما رأى مراسل (الجزيرة) (تيسير علوني) يتوجه إلى بغداد أثناء الحرب العدوانية، لأن هذا ذكّره ـ أي الصحفي النفطي عديم الولاء لأي مبدأ، أو انتماء عربي ـ بما حدث في أفغانستان لطالبان! (ترى: هل يتابع الصحفي إيّاه ما يحدث في أفغانستان هذه الأيام؟!)..
لا بأس، ها هي عيون الكاميرات تنفتح على مشاهد حرق الدبابات الأمريكية، ومقتل الجنود الإنكليز الذين يبدو أن أجدادهم لم يتركوا لهم خبرات تنفعهم عن العراق، وشعب العراق..
ثمّ لا بأس، فها هو تيسير علوني، وعبد الصمد ناصر، ووضاح خنفر، وسمير حسن وكثيرون غيرهم، ومعهم مصورون نجهل أسماءهم، يفتحون عيون كاميراتهم فنرى انتقام ملجأ العامرية من الجنود الأميركان حيث احترقوا بمركبتهم ، ويرى العالم ما يحدث في النجف، وكربلاء ـ لا حظوا أين انتقلت ضربات المقاومة ـ ونسمع بالمجر الكبير، وأعترف إنني لم أسمع بالمجر هذه من قبل، ونرى آليات الإنكليز محتّرقة عقاباً لهم على تطاولهم على حرمات بيوت العراقيين، ولتدنيس كلابهم لطهارتها..
ثمّ ها نحن نسمع أحد الشباب وهو يرتجف: والله في أسبوع، لو أفتى لنا علماؤنا، لطردنا الإنكليز والأميركان!. إنهم يدنسون حرمة نسائنا، حفيدات (الزهراء)!
ونسمع أخر: لو عادوا لممارسة ما فعلوه . لفعلنا بهم نفس الشيء (أي النار والموت).. ونتساءل ونحن نرى غضب شباب المجر الكبير: لماذا لا يفتي من في أفواههم الفتوى؟ وإلى متى سيحرم هؤلاء الشباب محرومين من شرف المقاومة دفاعاً عن عراقهم، بسبب من حوّلوا الدين إلى سياسة تقوم على الصفقات، والأحقاد، والترّبص، والولاء لغير العراق والعروبة؟!
ما عاد بمقدور آلة الإعلام الأمريكية العسكرية الكاذبة أن تخفي خسائرها وراء مصطلحات: نيران صديقة، حادث عرضي، أو.. بنيران مجموعات من فلول النظام السابق!..
ما يحدث مقاومة، مقاومة عراقية يشارك فيها كل محب لوطنه مهما كان اتجاهه السياسي. عيون الكاميرات، رغم أن العسكريين الأمريكيين يحاولون إخفاء خسائرهم، تختطف لقطات سريعة للقتلى والجرحى، وقبل أن تلجأ القوّات الأمريكية لتنظيف المكان من بقايا السيارات، والدبابات المحترقة، وبقع الدماء. الكاميرات بدأت تلاحقهم فاضحة ما يفعلون، خاصة والشهود العيان يتبرعون مدفوعين بوطنيتهم، أو بتوجيه من قيادات مقاومة، بنقل ما يرون بدقّة، وهو ما نقله مراسلو (الجزيرة)، وباتوا يتأكدون منه، بل وتسخر منه عيون كاميراتهم، وبقايا الحرائق، وبقع الدماء، وتلعثم الضبّاط الأمريكيين الذين يدّعون أنهم لا يملكون معلومات عمّا حدث، أو أنهم غير مخوّلين بالتصريح، مع تصاعد لهجة الاتهام ل(مخربين) ينتمون للنظام السابق..تصوروا الوقاحة.. وكأن الشعب العراقي يرحب بالاحتلال الذي في أسابيع قليلة أذاقه من الهوان، والإذلال ما كفّره بالديمقراطية الأمريكية!!
نفس المصطلح الشاروني الموفازي! . ونفس المشاهد: نيران مشتعلة، جرحى وقتلى..حتى حجارة..أمّا شاهدتم كيف أخذ الشباب العراقيون يرشقون الآليات المحترقة بالحجارة وهم يحرّضون المصورين على تصوير الركام والحطام؟!
ما تنقله عين الكاميرا، الكاميرا التي تركض وراء نيران المقاومين العراقيين الأبطال، من (الفلوجة) عاصمة المقاومة إلى الرمادي، إلى الحلّة، إلى النجف، إلى كربلاء، إلى سامراء، إلى بلد.. وعلى الطرقات السريعة، وعبر أحياء بغداد الخالدة، التي ما أن شبّه لهم أنها انحنت قليلاً حتّى استوت من جديد عربية نارية المزاج، غضوب، هي التي لن يجني الاحتلال الأمريكي الإنكليزي الصهيوني من نخلها سوى لفح نيران تموز، ورطباً هو الجمر الحارق..
ولم لا..من حقنا أن يبدأ الفرح بالتسرب إلى قلوبنا المؤمنة، ولنا أن نرتجي من العراق العريق الأشم عقاباً تاريخياً لا ينسى للغزاة..
وماذا عن الكاميرات وعيونها؟!
للكاميرات عيوبها، وعارها، وللفضائيات مخازيها، وبخاصة تلك التي دأبت على ترسيخ الهزيمة في النفوس، ووظّفت كل طاقتها لتشتيت انتباه ووعي المشاهد العربي بحجّة (الديمقراطية) وحقوق الإنسان خدمة للاحتلال الأمريكي وزمنه..
للكاميرات عيون ترى، وتحكي، وتنقل الحقيقة بدون رياء، خدمة للحق والحقيقة، وعوناً للمواطن العربي للوصول إلى ما يجب أن يعرف، وعلى مواجهة أكاذيب الإعلام الأمريكي الصهيوني، والعربي النفطي التابع..
مع عين الكاميرا قرب ملجأ العامرية، وفي المجر الكبير، و(أبو غريب) والنجف، وكربلاء..كانت عين شهيد الصحافة طارق أيوب تنفتح ليرى مع الشرفاء أن المشهد لم ينته، وأن عين الكاميرا لم تغمض، وأن بغداد تقاوم، والعراق سيبقى عربياً مهما كان عتو رياح السموم الأمريكية الإنكليزية الصهيونية التي هبّت من بلاد العرب المتصحّرة..