الاستعمال الذكي للنفط كسلاح من اجل القضية العربية

د. محمد الشحاتي/ كاتب وباحث من ليبيا

تثير قضية استخدام النفط كسلاح اقتصادي من اجل تحقيق أهداف الأمة العربية جدلا بين اتجاهين متعارضين في الفكر السياسي والاقتصادي العربي. الاتجاه الأول تقوده مجموعة من الخبراء في السياسة والاقتصاد يحذر من الانجرار وراء العواطف الشعبية في تبني سياسة تحويل النفط إلى سلاح اقتصادي مما قد يورط الدول العربية في أضرار وخسائر اقتصادية فادحة قد تؤدي إلى مزيد من التدهور السياسي والفوضى الاقتصادية، اما الاتجاه الثاني وهو يحظى بتأييد شعبي واسع فانه يطالب باستخدام النفط كسلاح اقتصادي لتعزيز القدرة التفاوضية وقوة المساومة العربية في الضغط على الولايات المتحدة الامريكية لإجبارها على تغيير موقفها القائم على الانحياز المطلق لاسرائيل في صراعها ضد الأمة العربية.

أولا: عرض وتحليل لآَراء الاتجاه المعارض لاستخدام النفط كسلاح، كانت قضية استخدام النفط كسلاح محورا في ندوة عقدت في معرض الكتاب في القاهرة بحضور الشيخ احمد زكي يماني وزير النفط الأسبق بالمملكة العربية السعودية ورئيس مركز دراسات الطاقة العالمي بلندن. ويعتبر الشيخ يماني من ابرز أقطاب الاتجاه المعارض وقد أعاد في هذا التجمع اعتقاده بأنه لا توجد أي امكانية اليوم لإعادة استخدام النفط العربي في مجال الصراع العربي الاسرائيلي وهو يشير بذلك إلى واقعة استعمال العرب النفط كسلاح اقتصادي خلال حرب تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1973 التي خاضتها مصر وسورية بمساندة الدول العربية ضد اسرائيل.

وقد نتج عن هذا الاستخدام ارتفاع صاروخي لأسعار النفط من معدل ثلاثة دولارات للبرميل إلى 14 دولارا للبرميل فيما صار يعرف في التاريخ السياسي والاقتصادي بالصدمة النفطية الأولى . ويجادل الشيخ اليماني بأن الأهمية الاستراتيجية للنفط العربي قد تدنت إلى مستويات منخفضة جدا بحيث لم تعد للنفط العربي أي فاعلية في رسم السياسة الدولية والعلاقات الثنائية. حيث استطاعت الدول الصناعية الكبرى في الغرب بعد سياسة متعمدة تخفيض اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للطاقة وذلك بتطوير مصادر للطاقة البديلة مثل الطاقة النووية والرياح وغيرها.

كما أنها عملت بالأساس على تخفيض اعتمادها على النفط الآتي من منطقة الخليج العربي بتطوير احتياطات نفطية جديدة في أماكن بعيدة عنه في بحر الشمال وامريكا الجنوبية وافريقيا.

ويضيف الشيخ اليماني بأن سيطرة الولايات المتحدة الامريكية العسكرية على مناطق وسط آسيا بعد حرب افغانستان سيؤهلها للوصول إلى احتياطات نفط بحر قزوين الهائلة والتي ستكون القشة التي ستقصم ظهر البعير لأهمية النفط العربي.

وفي الحقيقة فان تحليل الشيخ يماني بما يكتسبه من خبرة في مجال الصناعة النفطية يتمتع بقيمة كبيرة سواء من الناحية العملية أو العلمية لما يتمتع به من منطقية بعيدة عن العواطف وهذا يجعله على رأس تيار عقلاني يشكل مدرسة في أدبيات الصناعة النفطية. وعلينا ان نتذكر ان الشيخ يماني لم يناقض نفسه سواء وقت وجوده بالخدمة أم عندما خرج منها فهو ظل يعتبر ان استخدام النفط كسلاح سواء للمرة الأولى في حرب أكتوبر أم بعدها خطأ استراتيجي ارتكبه مصدرو النفط، فارتفاع سعر النفط بعد حرب 1973 في رأيه شجع صغار المنتجين على الدخول إلى السوق ومنافسة الدول الكبيرة واقتطاعهم حصة كبيرة من السوق لأنفسهم، كما ان سياسة الدفاع عن الأسعار التي اتبعتها (اوبك) خلال عقدي الثمانينات والتسعينات هي في رأيه غلطة انجر فيها كبار المنتجين وعلى رأسهم المملكة السعودية في منظمة (اوبك) لضغوط الدول المتطرفة مما اضر على المدى الطويل بالطلب على النفط وذلك بالتشجيع على مصادر الطاقة البديلة.

ثانيا: كيفية تفعيل الاتجاه المؤيد لتبني سياسة استخدام النفط كسلاح، وباستعمال نفس التحليل للشيخ يماني اخرج شخصيا بنتائج مغايرة لتلك التي توصل اليها في ضرورة تفادي استخدام النفط كسلاح. وبداية فأنني افضل ان اركز على منطلقاتي في هذا التوجه التي قد تختلف عن منطلقات البعض في الاتجاه الآخر، فأنني في هذا الخصوص اعتبر ان جميع الموارد العربية سلاح يجب استخدامه من اجل القضية العربية. فالهواء الجوي والمياه الاقليمية والصحراء الشاسعة والاسطاع الشمسي والمعادن والصخور العربية كلها أسلحة يجب ان تستخدم بعقلانية من اجل الوصول إلى الأهداف العربية. والسلاح لا يعني على الاطلاق الاستعمال الايجابي أو الهجوم به بل انه في أحيان كثيرة يستعمل سلبيا في صورة الردع والتهديد والمساومة.

وإذا ما استعرنا مجازا من المفاهيم العسكرية فأن السيف لا يمثل أي قيمة تكتيكية في حروب اليوم في ظل ترسانات الأسلحة الحديثة، ولكنه يبقي سلاحا مهددا في نوعيات معينة واسطع مثال يمكن إعطاؤه هنا هو القوة التهديدية للحجر الفلسطيني في مواجهة الدبابة الاسرائيلية. وبديهيا فأن إعادة استعمال النفط كسلاح في الصراع العربي الصهيوني وبالصورة التي تمت في حرب سنة 1973 هو أمر غير ممكن عمليا وغير مقبول نظريا، فالظروف التي تم فيها استعمال هذا السلاح حينئذ هي مغايرة تماما للظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها العالم اليوم. ولعل من أهم هذه الظروف هو امتلاك الدول المصدرة للنفط قرار التسعير حين قيام حرب 1973.

وبالرغم من بعض المصادر تشير إلى دور المملكة العربية السعودية ووزير نفطها الشيخ يماني في سيطرة مصدري النفط على قرار التسعير إلا ان معظم المصادر تؤكد ان الثورة في ليبيا هي التي قامت بهذا الدور بإجبارها الشركات النفطية على دفع الأسعار العادلة للبرميل بعد التأميم للثروة النفطية. وهنا يجب القول ان فقدان الدول المصدرة للنفط وتحديدا (اوبك) لقرار التسعير كان بسبب سياسة الشيخ يماني في سنة 1985 والتي اعتمدت على حجب أسعار بيع خام القياس العربي خفيف في الأسواق العالمية مما أدى انتقال آليات تسعير النفط إلى بورصات نيويورك ولندن، وقد كلفت هذه السياسة الشيخ يماني منصبه كوزير للنفط بعد ان شغله لأكثر من 25 عاما متصلة. والاستخدام الماضي للنفط كسلاح في القضية العربية (عام 1973) ربما كان ساذجا ولكنه كان ناجحا ومؤثرا، ويرجع نجاحه إلى عنصر المفاجأة والمباغتة وليس لسلامة التخطيط والتنفيذ.
فالأنظمة في الغرب كانت في غفلة من أمرها ولم تتحسب لمقدرة العرب على توجيه مثل هذه الضربة مما أدى إلى مباغتتهم على حين غرة. ومن السذاجة القول اليوم بأن إعادة استخدام سلاح النفط بنفس الصورة التي تمت في سنة 1973 ستؤدي إلى نفس النتائج. فقطع الإمدادات النفطية عن الولايات المتحدة الامريكية مثلا لن يؤدي إلى شلل في حركة الاقتصاد الامريكي كما حدث في سنة 1973، حيث ان امريكا تحتفظ اليوم هي وحليفاتها في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادي لمخزونات تجارية واستراتيجية من النفط تكفيها للاستهلاك لمدة ثلاثة اشهر متوالية وبدون أي واردات، وهي مدة كافية للقيام باحتلال آبار ومنابع النفط في الخليج العربي بصورة كاملة بل وإزالة نظم وحتى دول من الوجود إذا اقتضى الأمر، وهي دروس عرفناها جيدا في افغانستان والعراق وفلسطين. كما ان شعوبا ودولا تعتمد على النفط اعتمادا كاملا في توفير احتياجات الفرد الأساسية والكمالية لا يمكن ان يؤمل منها ان تمتلك الشجاعة على القيام بهذه الخطوة، خصوصا إذا ما تأكدوا بأن سعر النفط قد ينخفض بدلا من ان يرتفع عندما يأمر رئيس الولايات المتحدة الامريكية بطرح كميات من المخزون الاستراتيجي في الأسواق والتلاعب بالبورصة عن طريق تقديم معلومات غير حقيقية.

وبنظرة اكثر تفحصا للأمر يمكن القول ان الدول المصدرة للنفط وخصوصا العربية لا تزال تملك قوة تساومية كبيرة نظرا للأسباب التي سيرد ذكرها، فالسيطرة العسكرية الامريكية على مناطق وسط آسيا واحتمال وصول الولايات المتحدة الامريكية لاحتياطات بحر قزوين النفطية مسألة لا يزال يحيط بها الكثير من الغموض والتعقيدات، كما ان هناك وقتا طويلا يجب ان يمر قبل ان تصبح أي منشآت واستثمارات قادرة على تغذية النظام الغربي بنفط بحر قزوين، وعليه فأن بناء استراتيجية نفط عربية وفقا لهذا العامل كما يطالب الشيخ يماني أمر محفوف بالمخاطرة غير المبررة. فالاستقرار السياسي في منطقة آسيا كما هو واضح أمر غير وارد في المستقبل المنظور خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار مشاكل النزاع الهندي الباكستاني والفوضى الاقتصادية والسياسية في افغانستان إلى جانب دور الاتحاد الروسي وتورطه في حرب الشيشان ومحاولات التغلغل الايراني وغيرها مما يدفعني إلى القول بأنه لا توجد مقارنة فعلية بين هدوء مياه الخليج العربي وفوران بحر قزوين بالنسبة للسياسة الامريكية. فالأهمية الاستراتيجية للنفط العربي من وجهة نظر امريكا لا تنبع فقط من حجم الاحتياطات بل من الفراغ النسبي للقوة في هذه المنطقة والذي يمكن للولايات المتحدة الامريكية ان تشغله بسهولة.

ومن جانب آخر فان تطوير استعمال بدائل النفط كمصدر للطاقة أمر لا يجب ان يخيف الدول المنتجة والمصدرة له فهو في الحقيقة أمر يساعد على صيانة وحفظ الثروات النفطية للأجيال القادمة ويحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة العربية. فهل يمكن مثلا ان نتخيل ماذا كان سيحدث لو ان الصدمة النفطية الأولى والثانية لم تحدث؟ في هذه الحالة فان الاستهلاك العالمي للنفط كان سيتضخم بمعدلات رهيبة حيث كان سيصل إلى حدود 140 مليون برميل يوميا مقارنة 75 مليون برميل يوميا وهي المستوي الحالي. عند هذا المستوي فان استنزاف مورد النفط كان سيصل إلى أقصاه ومن المؤكد كانت بعض الدول قد جفت من أي آثار للسائل الأسود.
ويمكن تصور الأخطار المحدقة بالأمن القومي العربي في مثل هذه الظروف حين تتفاقم الأطماع الأجنبية للدول العظمي مما قد يدفعها للصراع في محاولة للسيطرة الكاملة على منابع النفط وآباره، ومن هذا التحليل نستنتج ان تنامي استخدام الطاقة البديلة انتج نوعا من التوازن في هذا الخصوص وقلل من الضغط على الطلب من النفط ولكنه لم يلغ دوره الاستراتيجي وهو أمر يجمع عليه الخبراء في مجال الطاقة والاقتصاد.

ووفقا للتحليل السابق فأني اقترح هنا تطوير مفهوم الاستعمال الذكي لسلاح النفط من اجل الوصول إلى الأهداف العربية. ومفهوم الاستعمال الذكي كان قد انتقل من النظريات العسكرية إلى الاستعمال السياسي والاقتصادي. ويرتكز هذا المفهوم على دقة الإصابة والفاعلية والسرعة في الوصول للأهداف.

وهناك اكثر من مجال لتحقيق ذلك وهي على سبيل المثال لا الحصر عطاءات ومقالات البنية التحتية للصناعة النفطية لبناء خطوط الأنابيب وصيانتها وتشغيل محطات الضخ وموانئ التصدير وقطع الغيار وغيرها.

والمجال الآخر يتمحور حول محاولة استعادة قرار التسعير النفطي وذلك باستخدام تقنيات واليات جديدة للتسعير توفر الشفافية والسيولة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء وهي أمور ليست بالمستحيلة حيث يمكننا النظر إلى نشاطات البورصة في سنغافورة كمثال على ذلك.