التفتيش وسيلة
للتجسس على العراق
اللجنة الخاصة
منظومة استخبارية أميركية
سامي مهدي/رئيس تحرير
جريدة (الثورة) العراقية
(1)
كلما
ذكر اسم اللجنة الخاصة، وكلما ذكرت فرق
التفتيش التابعة لها، شعر المواطن العراقي
بالاستفزاز. ذلك ان تاريخ هذه اللجنة وفرقها
في التعامل مع العراق تاريخ اسود صار يعرفه كل
منهم. فهي لم تكن لجنة دولية نزيهة، بل كانت
جهازا منحازا تسيره اميركا، وليس لها من صلة
بمجلس الأمن الذي هي تابعة له، كما يفترض، سوى
التقارير التي تقدمها اليه. وفرق التفتيش
التابعة لها لم تكن فرقا مهنية تؤدي واجبا
دوليا مكلفة به ( وهو نزع أسلحة التدمير
الشامل) بل كانت منظومات تجسس على العراق
وجيشه وأمنه الوطني، تقوم بجمع معلومات خارج
نطاق مهمتها المحددة.
وليس
هذا افتراضا نفترضه، أو تهمة نوجهها الى
اللجنة بقصد الإساءة اليها، أو الى مبدأ
التفتيش في حد ذاته، بل هو حقيقة يؤكدها
العديد من الاعترافات، والعديد من الوقائع،
والعديد من التقارير الدبلوماسية والصحفية.
لقد
استولت أميركا على جهاز اللجنة الخاصة منذ
تأسيسه. فبعد المصادقة على قرار مجلس الأمن 687
طلبت الأمم المتحدة من أعضائها تقديم التعاون
والإسناد في تنفيذ مهمات اللجنة، واغلب الظن
ان هذا الطلب جاء بإيحاء من أميركا نفسها التي
سارعت إلى اغتنام هذه الفرصة، فأنشأت وزارة
خارجيتها (دائرة إسناد اللجنة الخاصة)
وكلفتها بمهمة المنسق الرئيس بين اللجنة
والحكومة الأميركية.
وبناء
على ذلك أصبحت للجنة الخاصة (علاقة خاصة) مع
الحكومة الأميركية ووكالاتها ودوائرها
المختلفة لا توجد مثلها مع الحكومات الأخرى.
وعن هذا الطريق، وتحت هذا الغطاء، هيمنت
اميركا على اللجنة وجهازها الوظيفي وفرق
التفتيش التابعة لها، وهكذا اصبح نائب رئيس
اللجنة اميركيا (وتعاقب على هذا المنصب ثلاثة
اميركيين)، وكذلك اغلب الملاك الوظيفي من
الخبراء والمحللين والإداريين والمفتشين.
وبذلك صارت اللجنة لا تخطو خطوة واحدة من دون
علم اميركا وتوجيهاتها، وصارت وكالة
المخابرات المركزية الاميركية مرجعها
الفعلي،ومصدر اخبارياتها الأساسي عن العراق،
ومصب ما تجمعه من معلومات عنه، حتى انها لم
تكن تقدم تقاريرها الى مجلس الأمن إلا بعد ان
تكون قد قدمتها الى مراجعها الاميركية وأجرت
هذه عليها ما تراه من تعديلات وإضافات.
وينبغي
ألا يخطر على الذهن ان المعلومات التي كانت
تجمعها فرق التفتيش الملغومة بالجواسيس كانت
تتعلق بأسلحة الدمار الشامل فحسب، بل كانت
أوسع من ذلك واخطر بكثير. كانت تجمع معلومات
تمس أمن العراق الوطني في الصميم. ومن ذلك
التنصت على اتصالات القيادة في العراق بأجهزة
تقنية متطورة، وجمع معلومات عن الجيش العراقي
وأسلحته وبرامج تدريبه ومواقع وحداته
وتفاصيل أخرى عنه، كما كانت تجمع معلومات
شخصية عن العلماء والتقنيين والفنيين
العراقيين، وتقوم بتصوير المواقع العسكرية
المحظورة سرا، فضلا على معلومات أخرى هي ابعد
ما تكون عن طبيعة المهمة الدولية المكلفة بها.
وهكذا أصبحت اللجنة الخاصة ابتداء من رئيسها
وانتهاء بمفتشيها أداة تجسس اميركية على
العراق، بالرغم من ان اميركا دولة معادية له
عداء سافرا معلنا عنه على لسان مسؤوليها
ابتداء من رؤسائها.
أننا
لا نقول ذلك بناء على شكوك أو حدوس، بل بناء
على اعترافات ووقائع ملموسة وتقارير
دبلوماسية وصحفية والعديد من الأدلة
والبراهين، وتأكيدا لذلك سنقدم هنا بعض
الاعترافات.
بتاريخ
30/9/1991 اعترف رالف ايكيوس الرئيس السابق للجنة
الخاصة بان الاميركي ديفيد كي، رئيس فريق
تفتيش المواقع النووية، قد سلم واشنطن وثائق
عراقية قبل تسليمها الى الأمم المتحدة. وقال
لعدد محدود من الصحفيين بأنه وأعضاء اللجنة
الخاصة ليسوا مرتاحين لهذا الأسلوب في العمل
لان فرق التفتيش خاضعة فقط للوكالة الدولية
للطاقة الذرية وللجنة الخاصة. وأضاف ان
واشنطن تعرف الآن معلومات استخبارية عن
العراق اكثر مما تعرف الأمم المتحدة. ( في ما
بعد اصبح ايكيوس أول الموافقين على هذا
الأسلوب)!
وبتاريخ
9/1/1999 اعترف ريتشارد بتار، رئيس اللجنة الخاصة
بعد ايكيوس، في مقابلة مع صحيفة(الحياة)
الصادرة في لندن ان اللجنة الخاصة استخدمت
معدات اميركية للتنصت على المسؤولين
العسكريين العراقيين. واعترف بتلر ضمنا بان
مذكرة من سلفه ايكيوس تعود الى أيلول 1996 وتوضح
ان اللجنة الخاصة كانت على علم بعملية
اميركية لجمع المعلومات عن العراق من قبل
مفتشي الأمم المتحدة، وان ايكيوس اشتكى من
انه بعد ثمانية اشهر على بدء التنصت (على
اتصالات القيادة في العراق) رفضت المخابرات
الاميركية تزويد اللجنة الخاصة بالمعلومات.
وقال بتلر: عندما تسلمت عملي سألوني ان كنت
أريد استخدام هذه التقنية الخاصة بالتنصت،
وبعد ان فكرت مدة طويلة وتفحصت طبيعة هذه
التقنية وحدودها وأهدافها قررت انه مسموح
قانونيا للجنة الخاصة استخدامها!
وفي
27/1/1999 اعترف ريتشارد بتلر في مقابلة أجرتها
معه صحيفة (صنداي مورننغ هيرالد الاسترالية)
انه أوجز مستشار الأمن القومي الاميركي ساندي
بيرغر قبل يومين من بدء العدوان على العراق في
16/12/1998، وانه فعل الشيء نفسه مع السفير
الاميركي في الأمم المتحدة قبل ثلاثة أيام من
إنجاز تقريره وتقديمه لمجلس الأمن.
وفي
مقابلة أجرتها الصحيفة نفسها بتاريخ 28/1/1999 مع
كبير المفتشين سكوت ريتر اعترف بأنه جند
مجموعة من ضباط المخابرات والعسكريين
الأستراليين للتجسس على العراق خلال أنشطة
التفتيش، وان المعلومات المتجمعة من عمليات
التجسس هذه استخدمت في انتخاب الأهداف التي
ضربت خلال ( عملية ثعلب الصحراء) التي قامت بها
اميركا وبريطانيا.
وفي
23/3/1999 بثت القناة التلفزيونية البريطانية (BBC1)
مقابلة مع سكوت ريتر أجراها معه برنامج (بانوراما)
واعترف فيها بأن أجهزة الاستخبارات الغربية
استخدمت مكاتب اللجنة الخاصة في بغداد لأعمال
تنصت غير مشروعة، وان اميركا وبريطانيا
استخدمتا مقر اللجنة في البحرين ( المعروف
باسم Gateway
والواقع في مبنى المخابرات
الاميركية في مبنى السفارة الاميركية في
البحرين) غطاء لأعمال تجسسية على العراق خاصة
بهما، وان المعلومات التي جمعتها اللجنة
الخاصة جرى استخدامها لتحديد أهداف تم قصفها
خلال ( عملية ثعلب الصحراء).
وبتاريخ
27/6/1999 أجرت هيئة الإذاعة البريطانية مقابلة
مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان
اعترف فيها بلغته الدبلوماسية المتحفظة بان
بعض الأدلة تشير الى ان مفتشي اللجنة الخاصة
تجسسوا لحساب واشنطن، وانه يعتقد ان هناك ما
يسوغ هذه المزاعم، ولم تنف واشنطن ذلك قط.
وأضاف عنان (كان ذلك مثيرا للقلق لأنه لا يضعف
لجنة الأمم المتحدة الخاصة حسب، بل من الممكن
ان يضعف عمليات نزع السلاح في المستقبل..
فسيظل الشك قائما على الدوام.. هل المفتشون
قادمون لنزع السلاح أم قادمون للتجسس؟).
وجوابا
على تساؤل عنان نقول: أنهم قادمون من اجل
التجسس. فهم جواسيس، كما برهنت الاعترافات
والوقائع والتقارير والأدلة، وواشنطن، كما
يقر عنان، لم تنف ذلك قط. وما قدمناه هنا ليس
سوى غيض من فيض، وسنقدم في أيام لاحقة المزيد
عن دور المفتشين التجسسي.
(2)
اللجنة الخاصة
وعلاقتها بالكيان الصهيوني
ليس
هناك من يتصور ان أجهزة اميركا الاستخبارية
تحجب عن نظيـرتها الصهيونية أية معلومات
تتعلق بالعرب، وخاصة العراق. ومع ذلك عقدت
اميركا مع الكيان الصهيوني اتفاقا لتبادل
المعلومات بشأن العـراق وإجراء (تنسيق
استخباري وطيد) بينهما بهذا الشأن منذ أن بدأت
اللجنة الخاصة عملها في العراق. ذكرت ذلك
صحيفة (معاريف) الصهيونية (16/10/1991) على لسان (زلمان
شوفان) سفير الكيان الصهيوني في واشنطن.
غير
ان اميركا والكيان الصهيوني لم يكتفيا بذلك،
فقامت المخابرات الاميركية بالتوسط بين
الأجهزة الاستخبارية والصهيونية واللجنة
الخاصة لتحقيق اتصال مباشر بينهما من اجل
تبادل المعلومات عن العراق.
وقد
جرى أول اتصال مباشر بين اللجنة الخاصة وجهاز
الاستخبارات العسكرية الصهيونية (أمان) في
تشرين الأول/أكتوبر عام 1993 عن طريق المستشار
السياسي لرئيس اللجنة (رالف ايكيوس) المدعو (تيم
تريفان) بريطاني الجنسية. وقد روى تريفان قصة
هذا الاتصال لصحيفة واشنطن بوست (29/9/1998) وكشف
عن كيف اتصلت بـه جيني بكفورد التي تعمل في
وكالة نزع السلاح والسيطرة على التسلح في
العاصمة واشنطن ودعته إلى حضور مؤتمر (أكاديمي)
لنزع السلاح عقد في مدينة (دلفي) في اليونان،
ومهدت للواء من المخابرات العسكرية
الصهيونية سبيل الاتصال به هناك، وكيف استفسر
منه هذا اللواء عن امكانية ترتيب لقاء مع رالف
ايكيوس لتبادل المعلومات بشأن العراق، وكيف
تعهد له(تريفان) بنقل هذه الرغبة إلى ايكيوس،
واخذ منه اسم (صديق) يعمل في البعثة الصهيونية
لدى الأمم المتحدة في نيويورك لتحقيق الاتصال.
ويقول
تريفان: (عندما عدت إلى نيويورك تلقيت اتصالا
هاتفيا من البعثة الاسرائيلية وتم تحديد موعد
اللقاء مع ايكيوس في نيسان 1994. وقد عقد اللقاء
في غاية من السرية في قاعة اجتماعات تقع في
قبو (فندق نيويورك) بحضور رالف ايكيوس وتشارلز
دولفر نائبه الجديد، وكذلك جون سكوت ونيكيتا
سميدوفيتش، وأنا ايضا)، اما اللواء (المذكور)
فجلب معه اثنين من المحللين الصهاينة.
وفي
مقال نشرته صحيفة (النيويوركر) في 9/11/1998 اعترف
كبير المفتشين الاميركي سكوت ريتر بأنه طلب
من ايكيوس عام 1992 ان يسمح له بإجراء اتصال مع
حكومتي الكيان الصهيوني وايران، ولكن ايكيوس
قال له (لا) في البداية، ومع ذلك، وفي ربيع 1994
قام ايكيوس نفسه بإجراء اتصالات من خلال قناة
أخرى مع وكالة الاستخبارات الصهيونية (أمان).
وبعدها، يقول ريتر، تدفق سيل من المعلومات
عليه وعلى زميله الروسي سميدوفيتش.
هكذا
بدأت الاتصالات واللقاءات واستمرت، وصارت
اللجنة تزود المخابرات العسكرية الصهيونية
بما يتوفر لديها من معلومات عن العراق في
مقابل المعلومات التي تزودها بها عنه. ولم
يتوقف الأمر عند حدود تبادل المعلومات، بل
صار الطرفان يشتركان معا في تحليلها ووضع
التصورات والاستنتاجات بشأنها في اجتماعات
تعقد في نيويورك وتل ابيب.
على
ان هذه المعلومات لم تكن تقتصر على برامج
أسلحة التدمير الشامل ، بل كانت معلومات
شاملة عن العراق وجيش العراق والمواقع
العسكرية والصناعية والعلمية وغيرها . وهذا
ما زاد الأمر خطورة.
وقد
اعترف سكوت ريتر لمراسلة جريدة (الحياة) في
نيويورك بأنه زار الكيان الصهيوني (30) مرة
التقى خلالها بضباط من المخابرات الصهيونية
وتبادل معهم المعلومات والتحليلات(الحياة
30/3/1999).
وقد
تجاوز التجسس لصالح الكيان الصهيوني هذا الحد
إلى مدى ابعد واخطر، فبتـاريخ 28/9/1997 قام فريق
التفتيش (207) بزيارة مديرية الاستخبارات
العسكرية العراقية، وطلب رئيس الفريق سكوت
ريتر في بداية التفتيش إرشاده إلى شعبة (اسرائيل)
في المديرية، على أساس ان ذلك هو اهتمامه
الأول، وذكر للجانب العراقي، في أثناء
التفتيش، ان الهدف هو معرفة خطط العراق تجاه (اسرائيل)!.
ومن
اعترافات سكوت ريتر انه قام في الأول من أيلول/سبتمبر
1997 بتقديم ريتشارد باتلر رئيس اللجنة الخاصة
إلى حلقة الاتصال (الاسرائيلية). وقد جرى ذلك
في أحد أجنحة الفنادق الفخمة في نيويورك
بحضور سفير الكيان الصهيوني لدى الأمم
المتحدة وعقيد من المخابرات (الاسرائيلية)
ومدير الاستخبارات العسكرية العميد (ايالون).
وكان باتلر، كما يقول ريتر، مسرورا بهذا
اللقاء، وتم فيه الاتفاق على تنسيق العمل
وتبادل المعلومات.
وقد
تمادت اللجنة الخاصة في خدمة المخابرات
الصهيونية بحيث صارت عناصر هذه المخابرات
تدخل العراق ضمن المفتشين وترافقهم في
جولاتهم في المواقع العراقية بعد تسميتهم
بأسماء مستعـارة. ومن هؤلاء: العقيد روبين
حاخام خضوري (خدوري). والمقدم نسيم شمشون
وجدعون دلايل شموني والعقيد فريدمان ياكوف
ريبسكوف، ويعمل هؤلاء في قسم العراق والشؤون
العربية في المخابرات الصهيونية.
وفي
ضوء ما لدينا من دلائل يمكننا القول ان
الاستخبارات الصهيونية قد جندت بعض المفتشين
لخدمتها مباشرة، فما دامت اميركا قد جندت
مفتشين من جنسيات مختلفة لخدمتها ، فليس هناك
ما يحول دون تجنيد بعضهم لصالح الكيان
الصهيوني.
ما
قدمناه هنا ليس سوى بعض المعلومات الدالة على
الخدمات التجسسية التي قدمتها اللجنة الخاصة
(ابتداء من رئيسها) للكيان الصهيوني المعروف
بمعاداته العراق وحقده عليه ورغبته في
التنكيل به وايذائه.
وبهذا تكون اللجنة الخاصة وفرق التفتيش التابعة لها قد خرجت على حدود المهمة الدولية التـي كلفت بها وتحولت إلى وسيلة للتجسس على العراق لصالح اعدائه. وبذلك فقدت حيادها ونزاهتها وصفتها الدولية، وأصبحت أداة لإيذاء العراق، سواء عن طريق التجسس عليه، أم عن طريق تلفيق اخباريات تؤدي إلى التمادي في التفتيش وتأخير غلق ملفات الأسلحة لإطالة أمد الحصار، حتى صار من حقنا ان نقول: ان رئيس اللجنة الخاصة وكوادرها ومفتشيها لم يكونوا يقدمون خدماتهم لأعداء العراق مجانا، بل كانوا يتقاضون أجورهم عن ذلك بصيغة من الصيغ. وإلا فهل هناك رادع أخلاقي يردعهم عن ذلك، بعد ان بلغوا هذا المستوى الرذيل من خيانة مهمتهم الدولية؟!