ندوتان فكريتان عن الإسلام بعد 11 أيلول/سبتمبر

الغرب يسعى إلى ترسيخ ربطه بالإرهاب

بقلم الساعد الأخضر (سيدني)

وضعت أحداث 11 أيلول/سبتمبر الإسلام في دائرة الضوء ليتحدث عنه الجميع. غير أن معظم المثقفين والباحثين العرب يعتقدون أن نظرة الغرب إلى الإسلام هي نظرة خاطئة وأن أحداث 11 أيلول/سبتمبر ساهمت اكثر في تشويه صور الإسلام لدى الغربيين.

لكن إذا كان البعض قد ازداد نفورا من الولايات المتحدة الأميركية ومن الغرب عموما لما يعتقده أنه "حرب صليبية" على الإسلام تلت أحداث 11 أيلول/سبتمبر، إلا أن البعض الآخر اعتمد العقلانية في البحث عن كيفية تقديم الإسلام بصورته الصحيحة إلى الغرب.. ولهذه الغاية كثرت الندوات والمحاضرات في الدول العربية في الفترة الأخيرة حول سبل تصحيح صورة الإسلام. وكان أهمها ندوتان: ندوة في معرض القاهرة الدولي للكتاب المنعقد حاليا، وندوة في العاصمة المغربية الرباط نظمتها "المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة" (إيسيسكو).

فقد بحث مثقفون وناشرون عرب مسلمون وأقباط في القاهرة سبل تصحيح الصورة عن الإسلام وشرح حقائقه للغرب بالأسلوب الأمثل والمبسّط لمواجهة الفهم المغلوط لهذا الدين. ودعا مفكر إسلامي بارز، هو محمد عمارة، إلى إطلاق مشروع لإعداد ألف كتاب عن الإسلام وحضارته.

وأوضح المنتدون أن الهدف من وصول صورة الإسلام المبسطة إلى المجتمعات الغربية عبر مجموعة كتب بلغات أوروبية هو ليس الدعوة إلى الإسلام ذاته بقدر ما هو المساعدة على فهمه بشكل أفضل، الأمر الذي يؤسس لتعايش سلمي بين الشعوب الإسلامية والشعوب الغربية.

وقال المفكر الإسلامي سليم العوا "التعريف بالإسلام ليس قضية قشور نقدمها للناس ونقول لهم نحن طيبون ومسالمون، ولكنها قضية معرفة عميقة بحقيقة هذا الدين".

واتفق المشاركون في الندوة على أن تكون الكتب الألف التي سيجري إعدادها كتيبات صغيرة ومباشرة لا تعتمد على أمهات الكتب الإسلامية المكتوبة قبل قرون عديدة لأن هذه الكتب من الصعوبة بمكان أن تخاطب العقلية الغربية.

وقال نائب رئيس مجلس الدولة المصري السابق طارق البشري أن القارئ الغربي يحتاج لأن نستعمل معه أسلوبا جديدا، "فهو لا يفهم الكثير من مصطلحات الإسلام، هو لا يعرف المعنى الحقيقي للجهاد لكنه يفهم حركات التحرر والاستقلال وحق الدفاع عن الوطن".

غير أن عضو البرلمان المصري السابق القبطي جمال أسعد قال: "إن مهمتنا جميعا أن ندافع عن الإسلام، ولكن يجب قبل ذلك أن نقدم الإسلام الصحيح للمسيحيين هنا (في مصر) أولا، فهل تعتقدون أن المسيحي العادي يعرف الإسلام؟".

ندوة العاصمة المغربية الرباط التي نظمتها "المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة" (ايسيسكو) عن "صورة الإسلام في الإعلام الغربي" شارك فيها كتّاب وسياسيون وديبلوماسيون وباحثون وصحافيون أميركيون وعرب.

الصحافي الأميركي المعرف، رئيس تحرير صحيفة (لوس أنجليس تايمز) ناثان غاردز تناول في بحثه موضوع الإسلام في الثقافة الجماهيرية الأميركية.

بدأ غاردز مداخلته بالتأكيد أنه ليس صحيحا أن الأميركيين لا يعبأ ون ببقية العالم. وقال إنهم ينظرون نحو المستقبل وليس إلى الخلف. وأوضح أن الأميركيين يعتمدون الصورة في متابعة وقائع العالم، لأن الصورة تبقى في الذهن. وأضاف أن الإسلام والعالم الإسلامي يعنيان عند الأميركيين صورة الغضب والعنف وامتهان النساء. وأضاف أن هذه الصور تقدم بشكل معزول عن الواقع أحيانا. فإذا طلبنا من الأميركيين أن يربطوا صورة الإسلام بشيء فانهم يلخصون ذلك في صورة الفلسطينيين يختطفون الطائرات، وأن المسلمين ينفقون الأموال في الأماكن الباذخة، وفي صورة شخص يقتل شيخا جالسا على كرسي وكذلك في صورة طالبان التي حطمت الآثار والتماثيل في أفغانستان، وفي صورة بن لادن الذي دمر برجي نيويورك. ويرى الأميركيون أن الإسلام أصبح مصدر إرهاب. وقال الباحث الأميركي. أن الإعلام الأميركي يتحدث عن وجود صدام بين القيم في العالم الإسلامي. وقال إن هذا الصدام نعيشه، لكن تحليله يحتاج إلى بحث وتفكير. ووصف قول الرئيس بوش بأن نية الأميركيين طيبة بأنه طرح ساذج للقضية.

وقال غاردز إن المشكل هو أن المسلمين لا يفهمون الغرب، ويعتبرون حضارته تهديدا لقيمهم وثقافتهم، وأن العلمانية تمثل تهديدا لحضارة مبنية على الإيمان.

واعتبر غاردز أن الإسلام السياسي ليس سوى إيديولوجيا دفاعية لمقاومة الغرب وقيمه. وقال إن المسلمين الذين ينشدون تغيير أوضاع بلدانهم اعتمدوا أربعة خيارات هي: خيار الهجرة، أو خيار بناء دولة ترفض الواقع القائم وتؤسس لواقع آخر بديل يجعل الماضي قبلته، مثل الخميني وطالبان، أو خيار صدام حسين، وهو خيار مواجهة الغرب، وهناك خيار رابع يعتمد تدمير ما عند الآخر، وهو خيار بن لادن. وأضاف أن الأميركيين يرون الغرب يسير نحو الأمام، والعالم الإسلامي في نظرهم راكد لا يعرف أي تقدم. فالمسلمون في رأيهم يفجرون العمارات والغرب يستنسخ الإنسان.

وخلص غاردز إلى أن العالم اليوم ليس بحاجة فقط إلى حوار بين الحضارات فقط بل أيضا إلى حوار داخل الحضارات، أي داخل الإسلام نفسه، وأن الآلاف من المسلمين بحاجة إلى إعادة قراءة للإسلام.

الدكتور عبد القادر طاش رئيس تحرير صحيفة "البلاد" السعودية وأستاذ الإعلام في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، قدم في ورقته "رؤية مستقبلية لصناعة الصورة البديلة، موضحا أن تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي ظاهرة قديمة متجددة وليست وليدة. إن صنع الصور السلبية عن الإسلام والمسلمين كانت موجودة. الصورة تصنع ويعاد إنتاجها. قد تأخذ مظاهر جديدة ولكنها في العمق واحدة. وأوضح أن هناك عوامل أثرت في ذلك، لكن تجريدها من جذورها يعتبر نظرة قاصرة. ففي سنة 1980 صدرت دراسة بتوصية من وزراء الإعلام الخليجيين أكدت أن صورتنا مشوهة وأن وسائلنا الإعلامية لم تسع لتصحيح هذه الصورة. وخلص إلى أن المال والعقل العربيين عجزا في تجاوز هذه الكراهية.

الباحث الأميركي المسلم الدكتور منّور أنيس أبرز في بحثه "أن وسائل الإعلام الغربية، استغلت أحداث 11 أيلول/سبتمبر لترسيخ فكرة ارتباط الإسلام بالإرهاب". وأوضح الباحث "أن الإرهاب ظاهرة قديمة، وأن الحضارة الغربية لها تاريخها في هذا المجال، فقد علمونا، يقول الباحث، "أن الاستعباد كان ضروريا في الولايات المتحدة، وتم قتل الهنود الحمر، لأن القادمين إلى أميركا اعتبروهم دونهم قيمة، كما ارتكب الغربيون جرائم شنيعة أيام الحروب الصليبية ضد المسلمين. وهكذا فأن للحالة التي تعيشها امتدادات تاريخيةط. وقد دعت صحيفة تصدر في فلوريدا إلى عدم نشر صور الضحايا الأفغان جراء القصف الأميركي حتى لا يتعاطف معهم الرأي العام. وهكذا وجدت الصور لكن وسائل الإعلام امتنعت عن نشرها. وكانت صور الرئيس العراقي تنشر باعتباره رجلا طيبا وخيّرا خلال الحرب العراقية-الايرانية. وعندما تجاوز صدام الخطوط الحمر بعد (غزوه) للكويت تحوّل عند وسائل الإعلام الغربية إلى رجل شرير". وأكد أن "الضحايا الأفغان الذين سقطوا جراء القصف الأميركي اكثر بكثير مما قيل". ويستخلص الباحث "أننا نعيش فترة النكران للآخر وعدم التسامح". ودعا إلى "ضرورة الارتقاء بالفكر والممارسة إلى الأهداف العليا التي نؤمن بها وعدم الإلقاء باللائمة على الغرب واعتباره سبب نكساتنا". ويضيف "أن علينا أن نربط أقوالنا بالعمل، ونكون في مستوى تعاليم الإسلام لنسير بالعالم إلى الأمام".