البرمجة الصهيونية للسياسة الاميركية !

نواف ابو الهيجاء/روائي فلسطيني

دخلت الولايات المتحدة الاميركية إلى الوطن العربي بقوة في العام 1954 وفقا لمبدأ (ايزنهاور ودالاس) القائل بوجود (فراغ من الشرق الاوسط-شرقي السويس) بغياب شمس الاستعمار البريطاني.

ومن هنا كانت فكرة (حلف بغداد) كوسيلة من وسائل (الوجود العسكري الاميركي) السياسي في المنطقة العربية شرقي السويس حسب التعبير البريطاني آنذاك.

وبدخول الولايات المتحدة على هذا النحو أصبحت هي الموجه الأساس لسياسات العدوان على العرب مع أنها لن تدخل مباشرة في الحربين الصهيونيتين (1956-1967) وإن كانت مشاركة بشكل كبير فيهما بصورة غير معلنة عبر المساعدات المالية والعسكرية واللوجستية للكيان الصهيوني في الحربين أو العداونين بيد ان سقوط الحلف بثورة 14/7/1958 في العراق ـ ومن ثم نهايته (كحلف مركزي) عمليا أدى إلى ضرورة إحداث تغيير في الستراتيجية الاميركية الخاصة بالمشرق العربي.

لذا كانت النظرة إلى الكيان ـ الصهيوني اميركا ـ هو انه (قاعدة متقدمة عسكرية تابعة للغرب عموما وللولايات المتحدة خصوصا) وحتى ذلك الحين الذي يمكن ان نسجله على انه نهاية حرب (تشرين الأول/أكتوبر 1973) وبخطوات وزير الخارجية الاميركية آنذاك اليهودي الصهيوني هنري كيسنجر انتقلت الفعالية الاميركية من مرحلة (ملء الفراغ) إلى مرحلة (الإملاء) والتخطيط المركز لتثبيت القاعدة العسكرية المتقدمة (الكيان الصهيوني) في القلب العربي ومن ثم الانطلاق من هذه القاعدة بغية (التمكن من إدارة عمليات النفط) العربي ـ في اثر نجاح العراق بمعركة تأميم النفط (1/6/1972 ـ1/3/1973) ومن ثم مشاركة العراق المباشرة في حرب تشرين عام 1973.

هكذا صارت العلاقة الاميركية الصهيونية (ستراتيجية) للطرفين بتطابق مصالحهما ومطامعهما حيث ان الصهاينة كانوا دائما عامل كبح للتطور العربي وسلاحا يهدد أمن العرب واستقرارهم إضافة إلى تهديدهم المباشر لأكثر من ارض عربية (مصر وسورية والأردن ولبنان) وبقية الأقطار العربية بصورة غير مباشرة.

كان يمكن القول آنذاك ان للإدارة الاميركية تأثيرا ما في رسم السياسة الصهيونية بدليل الإسهام الاميركي في التحركات العسكرية الصهيونية ضد لبنان قبل الاجتياح والتهديد الدائم لسورية والأردن بسبب الوجود الفلسطيني (الفدائي).

لكن ما حدث بعد سقوط الشاه هو التركيز على (التهديد) الذي يمثله العراق المستقل ـ القومي ـ المتقدم الذي قاد الحركة العربية في مواجهة خطوة السادات بزيارة القدس ومن ثم التحرك القومي لتطويق مخاطر (كامب ديفيد) من هنا كان التحريض (الصهيوني ـ الاميركي) لايران لكي تدخل في حرب ضد العراق وعلى أمل التخلص (دفعة واحدة) من خطر العراق ومن إمكانية ان تكون ايران خطرا آخر (اسلاميا) على الكيان الصهيوني مستقبلا.

وكان ذروة الفعل الاميركي الصهيوني آنذاك العدوان على مفاعل تموز النووي المخصص للأغراض السلمية في حزيران/يونيو عام 1981 حيث أسهمت (الاواكس) في توجيه الطائرات الاميركية الصنع (الصهيونية) لكي تقوم بضرب المفاعل ومن أجواء العرب ذاتها.

الهاجس الصهيوني المتداخل بالهاجس الاميركي ـ حد الالتحام ـ كان يرمي إلى (تأمين الكيان الصهيوني وتأمين سيطرة اميركية على عملية تدفق النفط).

بيد ان حسابات اميركا والكيان الصهيوني انقلبت عبر فعلين:

الأول: اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في 8/12/1987 والثاني : خروج العراق منتصرا وقويا من حرب السنوات الثماني مع ايران في ( 8/8/1988) هاتان الفاصلتان أكدتا من جديد ضرورة الانتقال الاميركي الصهيوني إلى مرحلة جديدة في العلاقات بينهما بحيث يتمكن الصهاينة من فرض ما يردونه على الولايات المتحدة الاميركية ليس فقط من خلال منظمة (ايباك) بل كذلك عبر التحكم المطلق بمفاتيح السياسة الاميركية (في حقول: الخارجية ـ والدفاع ـ والأمن القومي ـ والمالية ـ والإعلام ايضا).

وكان لانهيار المعسكر الاشتراكي الأثر المباشر في التوجه الصهيوني القوي نحو الإمساك بخناق اميركا ومن ثم توجيهها حيث تريد الصهيونية العالمية.

ان نظريات بريزنسكي كيسنجر هي التي توجه اليوم السياسة الاميركية العداونية (ضد العرب والمسلمين) ولاسيما بعد ان تم العدوان على العراق ـ ومن ثم محاصرته ـ بحشد وتأليب لم يسبق لهما مثيل.

ويتكشف أخيرا الوجه الخفي للخطاب السياسي والإعلامي الدعائي منذ مجيء بوش الصغير حيث ان الطاقم الموجه لسياسة بوش مكون من دهاقنة صهاينة في رأس قائمتهم (ديفيد فروم) ومن بينهم (صامويل هنتنغتون ـ ومردوخ بريزنسكي وهنري كيسنجر وهوللنغر).

هذا الطاقم الصهيوني ـ اليهودي كان وراء إنشاء (معهد التأثير الستراتيجي) في البنتاغون منذ كلينتون حتى الآن أي حين كان (كوهين) وزيرا للدفع في اميركا ومنذ كانت اليهودية مادلين اولبرايت وزير للخارجية فيها.

ما مهمة هذا (المعهد)؟

المهمة الأساس شن الحملات التضليلية الإعلامية عبر العالم كله خاصة في المرحلة اللاحقة لأحداث (11/9) في اميركا ومن ذلك توجيه الخطاب السياسي الرسمي الاميركي ـ حتى ان مؤسسات متخصصة أعلنت ان عبارة (محور الشر) التي أطلقها بوش الصغير على (العراق وايران وكوريا الشمالية) هي من (بنات أفكار ديفيد فروم ) ذاته السياسة الاميركية الآن مبرمجة صهيونيا وها ان ارييل شارون بعد زيارته الرابعة واشنطن يعلن بوضوح شديد ان (اسرائيل) واميركا حالة واحدة) ويمكن هنا ان نتأكد من ان الإدارة الاميركية لا تملك الآن ان تضغط على العدو الصهيوني لأنها لا تملك القوة (الحيادية) بين الكيان الصهيوني وأية اطرف أخرى سواء أكانت عربية أم أوروبية بدليل ان الإدارة الاميركية ترفض الإصغاء إلى اقرب المقربين والحلفاء فما بالك بـ (الأصدقاء)؟!.

ان ردود أفعال أركان الإدارة الاميركية على مواقف الرفض لمنطق القوة الغاشمة في السياسة الاميركية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك في ان هؤلاء مبرمجون صهيونيا بحيث انهم ما عادوا قادرين على رؤية الأمور كما هي بل كما ترسمها لهم الصهيونية وإن وصل الأمر بأميركا إلى (العزلة) عن المحيط (غير المعادي) مثل الاتحاد الأوروبي وكذلك دول الوطن العربي والعالم الاسلامي إضافة إلى روسيا والصين وحتى كندا واليابان!.

وضمن هذا المنظور لا يمكن ان ننتظر أية محاولة اميركية للتوقف برهة وأعمال التفكير السليم ذلك ان الانتفاضة الفلسطينية وضعت العدو الصهيوني على حافة مأزقه التاريخي وبالتالي فأن هذا العدو لن يتوقف ايضا عند محطة التأمل والتفكير وهو ايضا لا يملك إلا ان يوجه السياسة الاميركية نحو مزيد من العدوانية والتدمير ربما بطريقة (الماسادا) وشمشون بأسطورته أم بحقيقته التاريخية يعشش في الفكر الصهيوني العدواني الإرهابي.