كيف يهدد العراق
اميركا؟!
ناصيف عواد/مفكر
عربي يقيم في العراق
التهديدات
المسعورة التي تطلقها أميركا ضد العراق،
مصحوبة بالتأييد الأميركي الكامل للجرائم
التي ترتكبها حكومة الكيان الصهيوني
العنصرية ضد أبناء شعب فلسطين، تكشف، بما لا
يدع مجالا لأي تفسير آخر، عن حقيقة الموقف
الأميركي من قضية الصراع العربي الصهيوني.
كما تكشف في الوقت نفسه عن طبيعة العلاقة بين
الامبريالية الأميركية والصهيونية
العالمية، وأنهما أصبحتا شيئاً واحداً،
مثلما هو الحال بين فلسطين والعراق. مع فارق
جوهري هو، ان العلاقة بين فلسطين والعراق وكل
أبناء الأمة العربية علاقة تاريخية مصيرية
يحكمها الانتماء إلى أمة واحدة بكل ما تحمله
من تراث عريق. ومن تطلعات مستقبلية مشتركة،
تتمكن الأمة العربية معها من تحقيق ذاتها
وأداء رسالتها الإنسانية الحضارية. بينما
تقوم العلاقة بين الامبريالية الأميركية
والصهيونية العالمية على أساس من المصالح
المتشابكة والأطماع الشريرة، والتخطيط
المشترك للهيمنة على العالم، وتتغذى بالحقد
على العرب والمسلمين. وتكشف تلك التهديدات
كذلك، عن كل الأبعاد الحقيقية، والأهداف
المركزية للعدوان الامبريالي الصهيوني
الواسع على العراق منذ اثنتي عشرة سنة، ورد
العراق عليه في إطار أم المعارك الخالدة،
وتوضح العديد من الملابسات التي اكتنفت تلك
المنازلة التاريخية ببذل الكثير من المال
والجهد، ومن التضليل الإعلامي والسياسي
لتسويغ العدوان الثلاثيني الذي تعرض إليه
العراق بحجج لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
اما
الآن، وقد اتضحت تلك الملابسات للعالم اجمع،
وسقطت كل المسوغات التي تستر بها العدوانيون
لشن عدوانهم الكوني، وإحكام حصارهم
اللاإنساني على العراق. وبعد ان أخفقت كل
المحاولات والمؤامرات لثني العراق عن
المواقف المبدئية التي آمن بها، وتحمل كل ما
تحمله، وهو فوق طاقة العاديين من البشر،
بسببها. واثر إخفاق كل المساعي والجهود التي
بذلتها أميركا ومن يشايعها، خوفاً وتزلفاً.
لإنهاء قضية فلسطين على وفق ما تشتهي اميركا
ويشتهي الصهاينة، بفضل صمود العراق وانتفاضة
شعب فلسطين، فتخرج أميركا بادعاءات سخيفة لا
يقبلها عقل ولا يقرها منطق لتسويغ تهديداتها
للعراق بحجة أن العراق يمثل تهديداً لها !!
ولسوف تكشف الأيام عن أن ما جرى في أميركا يوم
الحادي عشر من أيلول المنصرم وما ترتب عليه من
تصرفات أميركية عدوانية ضد العرب والمسلمين،
إنما هو في واقع الأمر خطة، دبرها من دبرها،
لتعبئة الرأي العام في أميركا ضد العرب
والمسلمين، وفي مقدمتهم العراق الذي بات يعبر
عن أنقى ما في العروبة والإسلام من المعاني
السامية والقيم الأصيلة والمنطلقات الحضارية
الصحيحة. وهنا يكمن التهديد الحقيقي الذي
يشير اليه رئيس الولايات المتحدة، وليس من
محاولات العراق، أو غيره، لامتلاك أسلحة دمار
شامل، كما يزعم.
ان
الذي يخيف الامبريالية والصهيونية ليس
امتلاك العرب والمسلمين الأسلحة، فهم يعرفون
أنهم متقدمون في ذلك بما لا قياس له. كما
يعرفون ان العرب والمسلمين لا يفكرون
بالاعتداء على أميركا أو غيرها من دول الغرب،
وان كل ما يفكرون به هو أن يحرروا أوطانهم
ليعيشوا فيها أسيادا ينعمون بخيراتها، وان
يتعاملوا مع الآخرين باحترام متبادل في إطار
علاقات متكافئة تقوم على العدل والتعامل
الطبيعي بين الشعوب والأمم، وان يحققوا
طموحاتهم المشروعة في التقدم والازدهار
والنهوض والإفصاح عن حقيقة أمتهم ودينهم،
فيعبرون بصدق وقدرة عن رسالتهم الإنسانية
الحضارية التي شعت طويلا على العالم فنقلته
من الظلام إلى النور.
الذي
يخيف الامبريالية والصهيونية، هو هذه الروح
الجهادية الصادقة التي تجسدت، بعد غياب طويل،
في العراق وفلسطين ففضحت الامبريالية وعرت
الصهيونية وزعزعت الأسس التي تقوم عليها
حضارة الغرب الجافة الخاوية من الروح،
والبعيدة عن كل القيم الإنسانية السليمة.
وإذا كان بوش الصغير، بما يتجلى فيه من ضحالة
فكرية وضيق أفق، ومن جهل فاضح في أصول السياسة
وفي فهم التاريخ، يتخبط في تصريحاته وفي
تعامله مع المشكلات التي وجد نفسه أمامها،
فإن شيطانة الشر مارغريت تاتشر رئيسة وزراء
بريطانيا السابقة التي كان لها دور معروف في
دفع أبيه وتشجيعه على شن العدوان الثلاثيني
على العراق، عندما كان رئيساً لأميركا، عادت
اليوم لتحث الابن على إتمام ما اخفق الأب في
تحقيقه، من دون ان تستطيع كبح ما تحمله من
عداء للإسلام وللعروبة، وما تكنه من حقد
متأصل على العراق وقائد العراق، البطل الوطني
والقومي والإسلامي صدام حسين، لأنه قرر أن لا
يكون تابعاً لأحد، وأن يعمل على تحقيق
المبادئ والأهداف التي تعيد للعرب سابق
مجدهم، مهما كانت الصعوبات والتحديات. ولأنه
يرفض الظلم التاريخي الذي أنزلته بريطانيا.
ومن ثم أميركا، بالأمة العربية عندما قررتا
وعملتا على زرع الكيان الصهيوني في قلبها
فلسطين، والعمل على إزالته. انها لم تتحدث عما
يلاقيه أبناء فلسطين من قتل وتدمير واستباحة
حقوق على أيدي الصهاينة، ولكنها تغري رئيس
أميركا بمحاربة الإسلام كونه عدو الغرب
الأساسي، في نظرها ونظر كل من رهن نفسه
للصهيونية العالمية.
إن
التهديدات التي تطلقها أميركا لا تخيفنا، ولا
يمكن لها أن تثنينا عن السير في الطريق الواسع
الذي انفتح أمامنا بفضل موقف العراق وصموده،
وبفضل البطولات التي يسطرها كل يوم أبناء
فلسطين، في سفر التمسك بالأرض، والاستعداد
العالي للتضحية من اجل استرجاع الحقوق التي
تم اغتصابها. وإذا كان رئيس الإدارة
الأميركية ومن يدفعون به إلى تكرار جريمة
أبيه، سواء ممن هم من أمثال تاتشر، أم ممن
تضمهم الإدارة الأميركية من عتاة الصهاينة
يتصورون أن عجلة التاريخ تعود إلى الوراء فهم
واهمون. كما أنهم واهمون أيضا إذا تصوروا أن
ما عجزوا عن تحقيقه طوال السنوات الاثنتي
عشرة السابقة من عدوانهم المستمر على العراق،
يقدرون على تحقيقه الآن، بعد أن تعمقت ثقة
العراقيين بأنفسهم وبقدرتهم على المطاولة
واتسعت دائرة تأثير صمودهم واستلهام روحهم
الجهادية لتشمل ليس فلسطين وغيرها من البقاع
العربية حسب، بل العديد من بقاع العالم.
لقد
حاولت أميركا بكل الوسائل والأساليب أن تجد
أي رابط مهما كان واهياً بين العراق وما جرى
فيها في أيلول الماضي لتجد ذريعة جديدة
للعدوان على العراق، ولكنها عجزت عن ذلك
فاضطرت إلى أن تكشف عن حقيقة أهدافها
المرتبطة بشكل وثيق وكامل بالأهداف
الصهيونية، الأمر الذي من شأنه أن يجعل العرب
في كل مكان ينظرون إلى أي عدوان يتعرض إليه
العراق على انه عدوان على الأمة العربية،
ويتعاملون معه على هذا الأساس. كما حرمها من
إمكانية إقامة تحالف دولي واسع لتنفيذ
تهديداتها.
ومهما
يكن من أمر فان الذي تسعى إليه أميركا والكيان
الصهيوني غير قابل للتحقيق، لأنه يستهدف
الروح الجهادية التي انبعثت في العراق وشعت
منه إلى كل قطاعات الشعب العربي في كل مكان،
والروح كما هو معروف ليست مادة جامدة يمكن
تدميرها، بل طاقة حية متجددة تتسع وتتعمق
وتشع باستمرار، والله اكبر.