سقوط الامبراطوريات الغربية .. سقوط اميركا

د. نجمان ياسين/أديب وشاعر من العراق

يؤكد الكثير من الباحثين ان سمة الصراع الحضاري هي الجوهر الأساس الذي يحكم علاقة الشرق بالغرب وأن الجذور التاريخية لهذا الصراع قديمة ويظهر ان الاسكندر المقدوني هو أول أوروبي يستأنف بشكل حاسم الاتصال بالشرق مع ان الاسكندر جاء ليبشر بالثقافة اليونانية وجاء خلفاؤه للغرض نفسه في ما بعد إلا انهم لم يستطيعوا ان يحدثوا التأثير المطلوب في الشرق على مستوى نشر قيم وأفكار وحضارة اليونان إذ تشير دراسة الحضارات الشرقية القديمة في ضوء المكتشفات الأثرية الأخيرة إلى ان أصول الكثير من المعارف والعلوم والفنون والآداب والديانة اليونانية ذات جذور شرقية.

ويتمثل التطور الحاسم الآخر في علاقة الشرق بالغرب في اندفاع الرومان نحو الشرق حيث استهدف الرومان مراكز الإشعاع وبؤر التوحيد العربي في الشرق ان التغلغل الثقافي الهيلنستي في اقاليم آسيا لم يستطع قط ان يقاوم تغلغل القيم الآسيوية في اليونان وما ان خلع آخر أباطرة الغرب وما ان سقطت أوروبا الغربية في أيدي البرابرة حتى أخذت امبراطورية الشرق وقد عزلت عن روما تبدو بشكل يزداد وضوحا آخر الامبرياليات اليونانية في التاريخ هذا إلى ان الامبراطورية البيزنطية قد أصبحت دولة ثيوقراطية ويمكن لنا ان نفهم دلالة ومعنى ثورة العرب من خلال رسالة الاسلام والمشروع النهضوي الذي جاء استجابة خلاقة ومبدعة للشرق ضد المشروع الأجنبي الغربي بالدرجة الأساس ذلك ان هذه الثورة جاءت في قلب عهد نهضة الشرق الذي هب ضد الهيلينية وضد البيزنطية آخر أشكال هذه الهيلينية.

وإزاء هذا المشروع النهضوي العظيم كان الغرب سلبيا في استجابته حيث واجه عقيدة النهوض العربي الاسلامي بالجهل تارة وبالافتراء والتزييف تارة أخرى ولعل مرد هذا الجهل بطبيعة الاسلام يعود إلى أسباب متنوعة ومن سوء الحظ ان أقطار غربي أوروبا كانت معلوماتها الأولية عن الاسلام عن طريق مصادر غير صادقة وغير أمينة وهي المصادر البيزنطية وإذا عرفنا ان العرب المسلمين قد انتزعوا من الدولة الرومانية الشرقية أحسن ولاياتها وحرروها من الاحتلال وان الدولة البيزنطية كانت عاجزة عن الوقوف في وجه العرب المسلمين، عرفنا دلالة توجيه كل همها إلى تجريح عقيدتهم.

ان سر وطبيعة التكوين الحضاري العربي ومن ثم العربي الاسلامي في ما بعد قد حال دون نجاح مشاريع الغرب الاستعمارية منذ الامبرياليات الأولى في التاريخ بعبارة أخرى يعود سبب إخفاق مشروع الهيمنة الغربي وفرض نموذجيه على الشرق إلى عمق الحضاري للشرق العربي فإذا كانت الحضارات العروبية القديمة لم تنصهر أو يتم استيعابها إبان عهود الاحتلال الغربي وغاية ما حصل هو التفاعل والتأثير المتبادل وإذا كان عرب ما قبل الاسلام قد رفضوا المشروع الغربي في السيطرة والتوسع عبر ردود الأفعال التي لا ترقى إلى الفعل الحاسم فأن الاستجابة الأكبر التي لم تقف عند حدود رفض المشروع الغربي وانما قدمت البديل له والنفي لأسبابه قد جاءت في رسالة الاسلام الجامع الموحد القائم على الحوار والانفتاح الانساني.

وإزاء هذا المشروع العربي الذي يدعو إلى الحوار واعتماد العقل ظل الغرب سلبيا ولا شك في ان امتداد هذا الموقف إلى الذاكرة الشعبية وبحكم تراكم الضغائن والتلفيق قد أثمر تلك النبتة الشيطانية التي سموها الحروب الصليبية والتي أفصحت عن عدوانية عنصرية وصدرت تناقضات الغرب الأوروبي إلى الوطن العربي مدفوعة بأحلامه السقيمة في خلاص الروح والهروب من ضمير مثقل بالذنوب وكشكل من أشكال التعويض ولذا لا بد من ـصناعةـ عدو يتمثل في العرب المسلمين ولعل ما حصل في هذه المواجهة هو خروج الشرق العربي المسلم سليما واكتساب الغرب صورة اكثر دقة وموضوعية عنه وبدلا من ان يوظف هذا للحوار والتعايش الحضاري السلمي، حصل العكس.

ولم يتوقف الغرب الامبريالي عن محاولات غزو الشرق وفرض نموذجه وتكريس التهديد والنهب ولن يغيب عن بالنا ما فعلته بريطانيا التي جسدت شكلا حديثا من الغزو الامبريالي ولن تخوننا الذاكرة في استحضار الحرائق والخراب والكوارث التي ألحقتها بأبناء الأمة العربية حين كانت ذات يوم الدولة الامبراطورية التي لا تغيب الشمس عن مستعمراتها ـ ذلك أننا نعرف ـ جميعا ما آلت اليه الامبراطورية العجوز التي كانت ذات يوم رأسا لتصبح اليوم ذنبا وذيلا للامبريالية الاميركية الأمر الذي يفصح خير إفصاح عن السقوط وتداعي مشاريع الهيمنة وفرض ثقافة المحتل الدخيل.

ان آخر الامبرياليات في التاريخ هي اميركا وهي نموذج لكل تناقضات الامبرياليات الأولى فهي تسمى وبشكل محموم لغرض نمطها وقيمها وترى ان مشاكلها الداخلية والدولية يجب ان تحل عن طريق القوة والعنف والإخضاع فالعنف هو وسيلة الإقناع الأولى والأخير ومصادرة ومحو الآخرين من الوجود هو الأساس بحيث يتحول الانسان الاميركي إلى أسير القوة والتحكم والطغيان وممارسة الإرهاب ومعروف ان العقل حين يتوقف عن الحوار والنقاش، ويرى ان القوة والسيطرة هما السبيل الوحيد لتحقيق الغايات يصبح الانسان مهزوما هاربا من التاريخ والحق والحقيقة ليعيش خارج التاريخ معزولا لأنه ألغى صبوات وحاجات ونزعات الروح بحيث يشير إلى تدهور المجتمع الذي أوجده والذي جعله يحطم الروح القلب البشري والتاريخ يفيدنا بدروس بليغة لعل أكثرها إفصاحا الفكرة التي تؤكد ان الدول التي اعتمدت حق القوة وليس قوة الحق آيلة إلى الزوال مثلما زالت الامبرياليات الأولى التي تبنت فكرة حق القوة وغادرت العمق الروحي والانساني كما يفيدنا بدرس آخر مفاده ان ثراء وخصوبة تاريخنا قد أجهضت من قبل كل محاولات الهيمنة وفرض النموذج الغربي .

فحضارتنا تفصح دوما عن التسامح والانفتاح واعتماد العقل إزاء العرقية والعنصرية والنظرة الضيقة التي تفرق في العنف والإرهاب وتحمل في عروقها بذور فنائها وسقوطها الحتمي.

ولقد كان من أسباب سقوط امبريالية اليونان أنها أرادت ان تفرض نموذجها الفكري والحياتي على الأمم المعروفة في عصرها كما ان موقعها من الشعوب الأخرى في كونهم ـ برابرة ـ يعني مغادرة العقل وهو موقف يشترك فيه الرومان الذين أمعنوا في النزاعات المادية والعبودية ومعروف ان البريطانيين قد صاروا ذيولا لاميركا واميركا هي آخر الامبراطوريات التي تجتمع في بنيتها جميع أخطاء وانحطاط الامبرياليات التاريخية السابقة لها وهذا يعني أنها تدب وتسير في طريق الانحلال والسقوط.