الصهيونية
والسلام
موضوع
الساعة أو موضوع القرن
ليس
المقصود من كتابة هذه المقالة تقديم الوثائق
التاريخية التي تعالج القضية الفلسطينية أو المشكلة الفلسطينية
بجوانبها المختلفة. وليس المقصود أيضا تقديم
الوثائق القانونية التي تسلط الأضواء على
الحقوق العربية غير القابلة للتصرف في فلسطين.
فقد حقق هذا الهدف العديد من الكتاب
والباحثين والمؤرخين، عرباً وأجانب، قديماً
وحديثاً.
إن
القضية الفلسطينية هي جوهر ومفتاح مشكلة (الشرق
الأوسط)، وإن الأحداث والنزاعات والحروب التي
حصلت وتحصل في المنطقة لها علاقة مباشرة
وجدلية بهذه القضية. ولذلك من المهم بل من
الضروري العودة قليلا إلى الوراء لمعرفة نوع
السلام الذي كان يعمل من أجل تحقيقه الصهاينة
الأوائل مقارنة بنوع السلام الذي يعمل على
تحقيقه الصهاينة الأواخر.
إن
(إسرائيل)، هذه الدولة الدخيلة الغريبة التي
أوجدت في قلب الوطن العربي عن طريق العنف
والإرهاب والمؤامرات الدولية، نجحت إلى حد
كبير بإعطاء العالم صورة غير حقيقية عن طبيعة
أهدافها العدوانية ومخططاتها التوسعية في
هذا الجزء من العالم مقدمة نفسها بلدا مسالما
وواحة في الصحراء العربية وحركة إشعاع وتقدم
واستقرار وديمقراطية في (الشرق الأوسط).
لقد
لجأت المنظمات الصهيونية قبل تأسيس الدولة
عام 1948 إلى العنف كسياسة مفضلة لإرهاب عرب
فلسطين وإجبارهم على مغادرة دورهم وقراهم
وأرضهم. فاقترفت المئات من المجازر والمذابح
الجماعية. واتبعت – تحقيقا لهذا الغرض – أبشع
أنواع الاضطهاد والتعذيب والتهجير. ولم يختلف
الحال بعد تأسيس الدولة، حيث تحولت معظم هذه
المنظمات الإرهابية الصهيونية بقادتها
وعناصرها إلى أحزاب سياسية تحكم (إسرائيل)
بالتناوب. وتابعت الدولة بذلك سياسة القتل
والعنف والإرهاب. ولكن هذه المرة – بطريقة
منظمة وتحت إشراف الدولة ومؤسساتها المختلفة.
لقد
قال الكونت برنادوت، وسيط الأمم المتحدة بشأن
فلسطين، في آخر تقرير له إلى الأمم المتحدة:
"لم
تولد الدولة اليهودية بالسلام كما كان يؤمل..
ولكن.. بالعنف والدماء".
هل
نسي العالم، أو بالأحرى أن نقول، هل نسي العرب
المجازر والجرائم الجماعية التي ارتكبتها (إسرائيل)
في فلسطين وفي الأراضي العربية الأخرى؟
هل
نسي العرب دير ياسين، نيسان 1948؛ قبية، تشرين
الأول 1953؛ نحالين، آذار 1954؛ خان يونس، آب 1955؛
البطيحة، كانون الأول 1955؛ قلقيلية، تشرين
الأول 1956؛ كفر قاسم، تشرين الأول 1956؛
التوافيق، شباط 1962؛ السموع، تشرين الثاني 1966؛
الكرامة، آذار 1968؛ إربد، حزيران 1968؛ السلط،
آب 1968؛ وغيرها من لائحة طويلة تبدو وكأنها
بدون نهاية من الجرائم الصهيونية في فلسطين
وفي بقاع أخرى من أرض الأمة.
جربت
(إسرائيل) منذ تأسيسها إخفاء نواياها
ومطامعها التوسعية في الوطن العربي. ولكن
اعتداءاتها المتكررة واحتلالها للأراضي
العربية ورفضها المستمر للانسحاب من هذه
الأراضي، بالرغم من القرارات العديدة
الصادرة عن مجلس الأمن بهذا الخصوص، وبالرغم
من البيانات والتصريحات الرسمية الكثيرة
للقادة الإسرائيليين، قد كشفت أهدافها
العدوانية وبرامجها التوسعية لإقامة "دولة
إسرائيل الكبرى" في الوطن العربي وفق مقولة
توراتية "من الفرات إلى
النيل".
لقد
قال دافيد بن غوريون عام 1948، في إعلان رسمي،
إن الدولة:
"قد
بعثت في الجزء الغربي من أرض إسرائيل وإن
الاستقلال قد تحقق في جزء من بلادنا الصغيرة"
وفي
عام 1952، وباجتماع لحزب الماباي، قال بن
غوريون:
"أوافق
على تشكيل الوزارة بشرط واحد وهو أن تستخدم كل
الوسائل الممكنة للتوسع باتجاه الجنوب"
وفي
10/12/1967 صرح أبا إيبان، وكان وزيرا للخارجية،
لصحيفة (هآرتس):
"لو
جاء العرب واقترحوا سلاما على أساس الحدود
السابقة للرابع من حزيران الماضي فنحن سنرفض
ذلك قطعاً".
أما
عيذر هرتزل، وكان مسؤولا عن جهاز الأمن (الإسرائيلي)،
فقد صرح في 9/2/1968:
"أنا
لا أفهم مطلقا ما تعني كلمة ضم Annexation؟
هل يعقل أن نضم أرضا لم تكن ملكا لنا في الماضي؟
تاريخيا إن الأراضي الجديدة هي لنا"
وفق
هذا المفهوم الصهيوني، فإن حدود (إسرائيل) هي
المكان الذي يصل إليه الجيش (الإسرائيلي).
هذا
هو السلام الذي عمل من أجل تحقيقه الصهاينة
الأوائل. ولكن ماذا عن سلام الصهاينة الأواخر؟
ألم نسمع نتنياهو يكرر في كل مناسبة وكل مكان،
خارج البلاد وداخلها، ومنذ أن تسلم مقاليد
الحكومة، أغنيته الجديدة بأن القدس هي
العاصمة الأبدية للدولة العبرية وأن الضفة
الغربية هي جزء من أرض (إسرائيل)؟ ألم يبشر
نتنياهو العالم بصيغته الجديدة للسلام في (الشرق
الأوسط)؟ وهي معادلة قال إنها جميلة وحضارية
تحفظ كرامة العرب وحقوقهم، ملخصها أن تتكرم (إسرائيل)،
نعم تتكرم وتحتفظ بالأراضي العربية مقابل أن
يقوم الشعب العربي من محيطه إلى خليجه بحماية
أمن (إسرائيل) داخليا وخارجيا، وتتعهد الدول
العربية بأن تفتح العواصم وترفع الأعلام (الإسرائيلية)
وتعيد تخطيط اقتصادها وبرامجها الإنمائية
وبرامجها السياسية وتعيد النظر في ثقافتها
ومناهج جامعاتها ومدارسها التربوية والدينية
وإعادة كتابة تاريخها بشأن فلسطين وكل بقعة
أرض عربية تحتلها إسرائيل، بما يحقق نجاح خطة
السلام هذه.
وهل
باراك وشارون صورة أجمل من سابقتها، أم هي
دائرة تدور وفق مخطط لها تصل إلى نقطة البداية
لتبدأ من جديد من نقطة الصفر، وبين كل بداية
ونهاية تصغر فلسطين أرضا وقضية.
ومن
يفكر بالرفض أو يرفع صوته قليلا، فإن حارسنا
الأمين أمريكا العظمى له بالمرصاد بكل جيوشها
وحاملات طائراتها وصواريخها، بل بكل
عنجهيتها.
أين
هو السلام العادل والشامل؟
أين
هي صيغة الأرض مقابل السلام؟
أين
هو حق العودة لشعبنا العربي المهجَّر منذ
خمسين سنة؟
أين
هي المنظمة الدولية وقراراتها التي تطبق إما
بطريقة انتقائية ومجحفة أو لا تطبق على
الإطلاق؟
بل
أين هذا السلام الذي يتكلم عنه العرب؟
حول
هذا الموضوع كتب الأستاذ الكبير محمد حسنين
هيكل في مقدمة كتابه (الانفجار
1967) ص 25:
"وظني
أن السلام مع إسرائيل لا يزال مستحيلا لأنه
يصعب علي أن أرى سلاما يقوم بين طرفين يجلسان
على مائدة أحدهما يقدم الجغرافيا والتاريخ
والقانون سندا لحقه والآخر يؤسس دعواه على
أنه وقّع عقدا مع مجمع آلهة: إله سماوي، إله
أمريكي وإله نووي".
والسؤال
الكبير الذي يطرح نفسه: هل تتفق الإيديولوجية
الصهيونية مع السلام الذي ينشده العرب وينشده
العالم؟
وظني أن ذلك مستحيل.