بوش
قرر قطع المسافة الموهومة بين عاصفة الصحراء
وعاصفة العراق
مطاع
الصفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
عندما
ستبارح امريكا مرحلة التجييش الاعلامي لما
اصبح معروفا في إعداد سيناريوهات حروب تحت
اسم إعداد الرأي العام الداخلي والعالمي لخطة
الممارسة العدوانية ضد هذا الشعب أو ذاك، سوف
يكون قرار الحرب قد تم انجازه، وأجاب على سؤال
المتى والكيف، أي التوقيت والطريقة. وفي هذه
الأيام الأخيرة شاركت العناصر الاساسية من
إدارة بوش في تشكيل جوقة واحدة متكاملة
ومنسجمة في إصدار التصريحات التي لم تعد
تختلف إلا في صياغة العبارات فقط: اما المضمون
فهو نوع من إعلان الحرب على العراق بدون شيء
من التردد القديم، بدون أي التباس بين خيار
الحل الأمني والعسكري من ناحية وإمكان الحل
الدبلوماسي الذي اصبح من منسيات الخطاب
السياسي الامريكي كليا. لكن الكثيرين من قادة
الرأي في أوروبا خاصة، ومعهم أصوات سياسية
مسؤولة في حكوماتها الرئيسية ما زالوا
يعتقدون ان التهويل النفسي هو سيد الموقف
الامريكي، وأن توزيع أدوار التصريحات وتنويع
اللهجات، وأحياناً مع شيء من تطييف المعاني
والدلالات، انما يتبع خطة الابتزاز
الانفعالي لمختلف الجبهات غير المقتصرة على
العراقيين وحدهم أو العرب، بعضهم أو جلهم
معا، لكنها تتوجه كذلك إلى الأقطاب الكبار
أنفسهم في العالم أجمع.
ذلك
انه منذ حوادث أيلول الأسود الامريكي لم تعد
إدارة واشنطن تحدث أحدا في الخارج إلا عبر
صيغة الجمع. أي انه لم يتبق ثمة تصرف خارجي إلا
وهو يتناول الكل الدولي، مع تكثيف التسمية
والتعيين في دولة واحدة بعينها.
وقد
جري أخيرا هذا التكثيف حول العراق، هذا البلد
الذي بات رمز الشهيد الدائم والضحية المستمرة
التي تحتاجها الأمركة منذ اثني عشر عاماً
لتثبيت سطوتها على السياسة الدولية، وإذا
كانت مرحلة الحرب الإرهابية قد افتتحتها هذه
المرة من افغانستان، فهي كانت مصممة على
العودة سريعا إلى مربعها الأساسي في الوطن
العربي وجواره الإسلامي، المتمثل خاصة في
ايران. هذا لا يعني أن تدمير افغانستان لم
يكسبها ساحة جديدة في العمق الآسيوي وثرواته
النفطوية الهائلة وأبعاده الاستراتيجية
المؤثرة على مستقبل القارة بأسرها. لكن بيضة
القبان كما يقال يظل محورها الأساسي يدور حول
قضايا العرب والشرق الأوسط. وفي الحقبة
القادمة سيلعب تدمير افغانستان دور النموذج
الأحدث في التعامل مع الأهداف العربية بدءا
من العراق. وامريكا واعية لهذا الدور، وقد
أخذت في وضعه موضع الاستثمار الدعاوى لمضاعفة
التهويل وتغذية حربها النفسية استعدادا
لضربات المحق الجديدة. وقد فعلت هذه الحرب
فعلها لدي مختلف الأطراف الاقليميين، وربما
استطاعت ان تدمر آخر أشكال الدفاعات المعنوية
لدي النظام العربي نفسه. فبات صوته اضعف أصوات
الاعتراض على المشروع الامريكي المبيّت. وقد
سبقته بمراحل شاسعة مواقف أوروبية واضحة.
كأنما أصبحت أوروبا هي المستهدفة أولاً، وليس
هذا النظام العربي البائس بجملته شبه
المشلولة. وهو أمر صحيح ان تكون أوروبا هي
المستهدفة الأخيرة من كل معارك امريكا في
ساحات الشرق القريب والبعيد. وسوف تغدو صولات
وجولات الهيمنة الامريكية أهم حوافز الاتحاد
الأوروبي على النمو الذاتي السريع واستكمال
شروط قوته السياسية وربما العسكرية في المدى
المتوسط على الأقل. وذلك بعد ان كشفت حرب
افغانستان عن اتساع فجوة التكنولوجيا
التدميرية بين آلة العم سام، المتفوقة في
جاهزية الحرب النظيفة إلى ابعد حد وبين
الجاهزيات التقليدية نسبيا لدي دول أوروبا
الرئيسية.
وذلك
ايضا هو ما سيدفع اكثر نحو تسييد سباق التسلح
والعودة إلى أولوية الاقتصاد الحربي على كل
ما عداه. وسوف يوضع التقدم الالكتروني
المتسارع في خدمة هذا التسابق، غير المتكافئ
راهنا، بما يتطلبه من تكاليف فلكية باهظة،
وبما يبررها ايضا من الأرباح الهائلة التي
ستجنيها الشركات الكبرى ما بين ضفتي الأطلسي،
مع الفارق الشاسع بينهما حسب الظروف الحالية.
هذه
الحسابات والتوقعات تراود صانعي القرارات،
على الضفة الأوروبية بخاصة، وقد يكون الرواد
السابقون في هذا المضمار هم المفكرون
الخائفون أولا على وعود السلام العالمي، وما
يتضمنه من حسم الصراع التاريخي لصالح
انتظارات المجتمع المدني العادل والحر،
وتثبيت خصوصية الاستثناء الغربي الأوروبي
مقابل الامركة. بهذا المعني فانه ان يكن ثمة
واقع لصراع الحضارات فهو أولا ينطوي على ذلك
الصراع الموصوف بالاستراتيجي الكينوني بين
نموذجي الغربنة والامركة على الإمساك
بمستقبل الانسانية وفرض عالمية المدنية
الحرة العادلة ضدا على الهمجيات المرتدة سواء
من قبلية التاريخ كالشعبويات من قبلية
وغيبية، أو المستحدثة والوافدة مع أحادية
المنطق التقني المحتكر بهدفية الهيمنة
والربح اللامحدود.
ان
ساحات التدمير الحربي المفتوحة والمنوي
فتحها بدءا من العمق الأسيوي وصولا إلى
المتوسط والأطلسي، هي بدائل الامركة
المفروضة بقوة الهمجية الالكترونية وحدها.
هذا التوصيف ليس استنتاجا وقفا على عقل معين
أو حضارة بعينها. انه ما يشبه خلفية وعي عام
عالمي. وشواهده يومية تجسدها مؤتمرات الرأي
في كل مكان، شعبوية كانت أو دولية رسمية،
وبرعاية مؤسسات الأمم المتحدة نفسها، انه ذلك
الوعي الذي راح يكشف واقعيا وعلميا أصول
الآفات الانسانية ويباشر بوضع الحلول
الاجتماعية والاقتصادية لمعضلاتها، وبما
يؤشر على تكون أسس موضوعية لنوع من تضامن بشري
غير مسبوق، وتحكمه أنظمة من القيم الحيادية،
المتحصلة عن الانتهاء من مختلف المعارك مع
همجيات التاريخ والأدلجيات الفاشية.. نقول ان
هذا الوعي الانساني الشمولي والذي يكاد تنعقد
له رايات قيادة كوكبنا البائس هو الذي يخيف
اكثر ما يخيف مشاريع الفاشيات الجديدة
المستحدثة، وفي مقدمها هذه الامركة الجانحة
اليوم وغدا إلى التماهي التام مع العسكرة
الكاملة، والمدججة بأخطر ثمار العلم
وتقنياته الالكترونية، وما تتعرض له من
احتكار مؤسسات المال الفلكي الكبرى لتوظيفها
أخيرا في أنجع وسائل الأرباح الخيالية، عن
طريق تصنيع احدث وسائل التدمير الشمولي. ليس
ثمة فكر سياسي اليوم في أية بقعة من عالمنا لا
يحس بصعود هذه الفاشية العولمية المقودة من
طغمة إدارة بوش، الممثلة لأقصي اليمين
الاقتصادوي والعسكري. وهي فاشية تعلن أوليا
انتصارها الجنوني على المجتمع المدني
الأمريكي نفسه بعد ان نجحت في إغراق بلادها
بما يشبه وطنية شعبوية، وتستفيد ايما فائدة
من حوادث أيلولها الأسود كيما تقنع عقل الأمة
بأن السبيل الوحيد لرد الإرهاب هو إعلان حرب
عالمية جديدة على أي هدف في المعمورة كلها
يمكن اختزاله تحت قاموس الشيطنة الجاهز
ومصطلحاته التبسيطية المعروفة والمستهلكة من
بؤرة نارية إلى أخرى هنا وهناك.
ويقع
الاختيار الجديد القديم على المربع العربي
ومركزه الدائم العراق الشهيد. فهذا البلد هو
الرمز المفضل لدي أذواق العائلة البوشية من
الأب إلى الابن وطغمتها السابقة والعائدة ما
بين عاصفة الصحراء بالأمس والتصحير اللاحق
والماحق للأرض والشعب والنظام والحضارة،
ولأن أسباب العدوان القادم ليست مرتبطة بأية
فئة من المبررات المعلنة والمستهلكة أسماؤها
منذ سنين فأن تسويغها الحقيقي هو ضرورة
النقلة البنيوية للاقتصاد الامريكي إلى
الانتاجية العسكرية، الذي لم يعد تكفيه
استهلاكية حروب العالم الثالث الصغيرة،
واصبح في حاجة حيوية إلى نوع الحروب الكبرى
العالمية. فالعارفون بأبعاد استراتيجية
البنتاغون ان الهيمنة الامريكية لا يمكن ان
تستتب دعمائها كحتمية نهائية لتطور السياسة
العالمية إلا إذا ما انقلبت إلى ما يشبه حربا
كونية جاهزة العدة والعتاد، ومعلقة في فضاءات
دول الكوكب جميعها، وتتمتع بنوع الوجود
بالقوة الذي يتحول فجأة إلى نوع الوجود
بالفعل، وينتقل من استعداد الجاهزية الكاملة
إلى الممارسة التدميرية المطلوبة حسب ظروف كل
جبهة ممكنة ويجري فتحها في هذا البلد أو
الاقليم أو ذاك. والعراق هو الثمرة الشهية
ولكن العسيرة الهضم دائما.
ان
محور الشر كما حدده بوش في خطابه السنوي انما
يرمز إلى إمكانية شبكة نارية، ينطلق خطها من
فلسطين والمشرق ويتركز في العراق ثم ايران،
متابعا نحو بؤر النيران الكامنة والمتحفزة في
العمق الآسيوي إضافة إلى روسيا بالطبع،
ومرورا بدويلاتها الاسلامية الجنوبية وعبر
الصراع الهندي الباكستاني المكشوف وصولا
أخيرا إلى الساحة الكبرى للحرب الكونية
الرابعة مع العملاق البشري الأضخم الذي هو
الصين.
ذلك
هو التخطيط الأشمل الذي يسيطر على آفاق
الاستراتيجية العسكرية لأصحاب النظرية
القائلة بمبدأ الاعتماد المتبادل ما بين بقاء
امريكا واستمرار الهيمنة تأسيسا على التفوق
العسكري المطلق أولا، وجاهزية التصنيع
التدميري المحتكر لناصية التقدم التقني
واستثماراته الحربية غير المحدودة. الأمر
الذي ينبئ عنه هذا الحسم الذي تتخذه إدارة بوش
بشأن عسكرة سياستها الدولية بصفة نهائية
تقريبا، ما يجعل مختلف علاقاتها بالآخر، بأية
دولة أو كيان أو مشكلة عالمية مرتبطة أولا
بحسابات القوي الضاربة ومصالحها المباشرة،
فان لم يكن العراق اليوم أو غدا، فسوف تكون
ايران أو لبنان وسورية ما يؤكد ان المشرق
العربي وعمقه الايراني فالآسيوي الأبعد
سيشكل المدى الأرحب لاستعراضات العولمة
الفاشية التي هي التتويج الأخير لتطور
العولمة من الطبيعة الاقتصادية إلى التدخل
الأمني في شؤون الدول، إلى الصيغة العسكرية
المكشوفة. ان تطور العولمة الفاشية التي نما
جنينها منذ وباء العولمة الاقتصادية التي
تجسدت بوليسية كاسرة بعد الإرهاب، وها هي
تبلغ حد النصل القاطع مع عسكرة الهيمنة.
إذا لم تنتصر العولمة الفاشية وانتهت كسابقاتها من الفاشيات الأوروبية للقرن العشرين، إلا ان العالم وليس العرب وحدهم أو أوروبا وآسيا، سيعيش من جديد ربما افظع الأهوال مع وضد أعلى فاشيات التاريخ وأخطرها، ودون أية ضمانات لحرية ما في نهاية اظلم الأنفاق كلها على الإطلاق.