هيكلية السكان والنمو

د. لويس حبيقة

lgh@sodetel.net.lb

أهمل الاقتصاديون في الماضي دراسة تأثير هيكلية السكان على النمو الاقتصادي الوطني. فعلم السكان تطور كثيرا من النواحي الإحصائية والاجتماعية، إلا أنه لم يتم التعمق في الرابط بينه وبين الاقتصاد. ولا ننكر أن مالتوس (1766-1834) كان أول من نبه إلى تأثير الزيادة السكانية على الرفاهية الاجتماعية، فكان ان توقع تفوق هذه الزيادة على انتاج المواد الغذائية مما يسبب مجاعة كبيرة في وقت قصير. ولكن التطور التكنولوجي والزيادة في الانتاج الزراعي التي تبعته سمحا بتأمين الغذاء للجميع بنوعية أفضل وكلفة أقل وكميات أكبر. وهكذا لم تتحقق نظريات مالتوس التشاؤمية بل ربما شكلت الدافع للتقدم.

وهنالك نظريات عديدة، منها من يربط حجم ونمو السكان ايجابا بالنمو الاقتصادي وأخرى سلبا وآخرها لا يقر بأية علاقة بينهما. فالنظريات الاقتصادية التي اعتبرت الانسان عاملا من عوامل الانتاج ربطت السكان ايجابا بالنمو. فكلما كثر عدد العاملين كلما زادت الكميات المنتجة بنسب تكبر أو تصغر تبعا لعوائد حجم الإنتاج. أما النظريات التي ركزت على السكان من النواحي الاجتماعية أي كلفة الحفاظ على مجموعة سكانية جيدة، فوجدت عموما علاقة سلبية بين السكان والاقتصاد أقله على المدى القصير. فالإنفاق على الصحة والتعليم والغذاء مكلف ويعطي عائدا ايجابيا فقط على المدى الطويل. كما أن مجموعة أخيرة من النظريات الاقتصادية لم تجد أية علاقة تذكر بينهما، وبالتالي ركزت على عوامل أخرى كرأس المال والطاقة كمؤثرين على الانتاج والانتاجية وبالتالي على النمو. المهم في العلاقة بين السكان والاقتصاد ليس تأثير عدد ونمو السكان عليه، وانما هيكلية السكان المتغيرة.

الهيكلية السكانية المنتجة هي التي تحتوي نسبيا على عدد كبير من اليد العاملة، أي من الذين تبلغ أعمارهم بين الـ 18 و 64 سنة. فكلما زادت هذه النسبة كلما سهل على المجتمع تحمل نفقة معيشة الذين لا يعملون من أطفال ومتقدمين في السن، والمقصود خاصة المتقاعدين. والحقيقة هي أن انجاب الأطفال هو في تدن مستمر في معظم دول العالم، كما أن العمر المرتقب هو في ازدياد بسبب تقدم التغذية والصحة وهذا يعني أن أعدادا أقل من العمال سيتحملون مستقبلا كلفة معيشة أعداد أكبر من المتقدمين في السن. فكلفة الصحة عند الشيوخ تبلغ عموما 3 أضعاف الكلفة عند الشباب، من هنا حتمية زيادة مجموع الإنفاق على الصحة مع تغير هيكلية السكان. من الطبيعي أن تستأهل هذه المشكلة المالية الاجتماعية التفكير الجدي بها وبالحلول التي ربما تفترض تدخل الدولة بطريقة أو بأخرى.

من الحلول الممكنة التحقيق والمفيدة على المدى الطويل هي زيادة انتاجية العمال كي يزداد الإنتاج، وبالتالي يتمكنون من تسديد كلفة تقاعد المتقدمين في السن مباشرة أو بشكل غير مباشر عبر زيادات ضرائبية على الدخل. زيادة الانتاجية تفترض تطوير التعليم بكل درجاته وفروعه، كما الصحة والغذاء ووسائل تنظيم الأسرة والتمويل والتدريب بحيث يصبح العامل أفعل ومنتج اكثر. فتغير هيكلية السكان يمكن أن يكون ذات فائدة كبيرة على المجتمع أو عائقا عليه تبعا للسياسات السكانية والاقتصادية والاجتماعية التي تمارسها الدولة بالتعاون مع القطاع الخاص. ولا شك ان لسياسات الانفتاح الاقتصادي المترافق مع تطوير وتحرير أسواق العمل والمال التأثير الإيجابي الكبير على الاستثمار والنمو.

ان استيعاب الزيادات السكانية بهيكليتها الجديدة يتطلب اتساع الأسواق بحيث تزيد فرص العمل وتزدهر الاستثمارات. فكلما تحسنت الأوضاع الاقتصادية كلما خفت نسبة الزيادة السكانية. وكلما ساء توزع الدخل والثروة بين طبقات الشعب كلما كانت الزيادات السكانية أكبر. عندما يتحسن وضع الإنسان الاقتصادي، يستطيع الإنفاق أكثر على حاجاته الاجتماعية واستهلاكه الترفيهي وبالتالي يصبح واعيا أكثر لوضعه ومستقبله ومستقبل أولاده. فالعلاقة بين الرفاهية الاجتماعية والنمو السكاني هي اليوم سلبية في كل الدول والمجتمعات. أما معالجة موضوع تغير الهيكلية السكانية الناتج عن تطور الانسان، فيتطلب التركيز على تحرير أسواق العمل كي تتسع وعلى تحرير أسواق المال كي يستطيع المواطن الاقتراض للاستثمار بسهولة أكبر.

وهنا تكمن أهمية تمويل المشاريع الصغيرة التي بدأت بها بنغلادش منذ سنوات مع تجربة مصرف (غرامين) الناجحة والتي يمكن أن تعمم على كل الدول. فالولايات المتحدة الأميركية اقتبست فكرتها لمعالجة واقع أحزمة البؤس المتوافرة في ضواحي معظم المدن الأميركية.

استيعاب الهيكلية السكانية الجديدة يتطلب ايجاد وسائل عملية للاهتمام بالمتقدمين في السن، إذ لن يكون بإمكان الأولاد المنشغلين أكثر فأكثر بأعمالهم الاهتمام بهم كما يحصل اليوم. الأمثلة متوافرة في الدول الصناعية التي سبقتنا إلى ما نتوجه اليه وتتلخص بمساعدات مالية مباشرة للمتقدمين في السن، بضمانات كافية ومناسبة لأوضاعهم الصحية والحياتية، كما بتأسيس مؤسسات رعاية مناسبة وتمويلها من التبرعات الخاصة والاشتراكات الفردية والأموال العامة. ايجاد مصادر تمويل كافية سيتوقف أكثر فأكثر على استعداد الشركات والأغنياء للتبرع طوعا لمساعدة الدولة والمؤسسات الخاصة التي لا تبغي الربح على القيام بواجبها تجاه من يحتاج اليها. فمعظم الدول النامية بما فيها العربية بحاجة إلى تطوير ثقافة التبرع ومساعدة الغير، وهو ما توصلت اليه الدول الصناعية بعد عقود بل قرون من التجارب والتطور. ولا بد لدولنا من أن تضع التشريعات الضرائبية المناسبة بحيث تشجع الأغنياء على التبرع الخيري، فإذا لم يتم التجاوب لا بد عندها من رفع المستوى الضرائبي على الجميع أو تخفيض الإنفاق العام على مجمل البنود الأخرى.

استيعاب الهيكلية السكانية الجديدة يأخذ أبعادا أخرى بسبب حصوله مع موازنات عامة عاجزة في الإجمال، مما يفرض على المسؤولين الاقتصاديين التفكير بحلول مناسبة كالتي عرضنا سابقا. وتقول إحصائيات السكان ان النساء تعمر أكثر بكثير من الرجال في كل الدول. ففي أعمار الستين وما فوق، هنالك اليوم حوالي 81 رجل لكل 100 امرأة. أما في أعمار الثمانين وما فوق، هنالك 53 رجل لكل 150 امرأة فالعمر المرتقب هو أعلى بثلاث سنوات عند النساء منه عند الرجال في الدول النامية وبثماني سنوات في الدول الغنية. مشكلة الضمان الاجتماعي تصبح أكثر أهمية للنساء لأنهن يعمرن أكثر من الرجال. وهنالك جانب آخر مهم وهو إمكانية الاستفادة من اليد العاملة النسائية المنتجة التي تنعم أكثر فأكثر بالعمر الطويل والصحة والعلم والثقافة.

استيعاب الزيادات السكانية الكبيرة لا يمكن أن يتم بسلام إذا لم تتوسع أسواق العمل بحيث يساهم الجميع في الانتاج.

ومن الإجراءات الضرورية تسهيل عمليات التوظيف والطرد بحيث تتشجع الشركات على التوظيف. كما أن مشاركة القطاع الخاص الدولة في التدريب ودفع كلفة التأمين يساهمان في ايجاد وتطوير يد عاملة منتجة. أما في المنطقة العربية، فما زالت الزيادات السكانية كبيرة نسبيا نتيجة الإنجاب الذي يتعدى الأربعة أطفال لكل امرأة، مقارنة بأقل من 2 في الدول الصناعية. أما العمر المرتقب فهو 65 سنة، وهو أقل من المناطق الجغرافية الأخرى باستثناء أفريقيا وجنوب آسيا لذا من الأهمية بمكان التنبه للزيادة السكانية ومعالجتها عبر التخفيف منها مستقبلا واستيعاب الزيادات الحالية في الاقتصاد عبر التدريب والتعليم والغذاء المناسب. كما يجب التفكير بتمويل كلفة التقاعد بحيث تحترم الشيخوخة عبر ضمانات كافية. ولا شك أن تمويل الضمان الاجتماعي بكافة أقسامه أصبح مشكلة دولية، إذ ليس هنالك دولة واحدة لا تقلق اليوم على واقع ومصير ضمانها الاجتماعي. ان مساهمة العمال المالية في صندوق الضمان، بالإضافة إلى حسن توظيف الأموال يؤدي إلى تغطية الكلفة المتزايدة مع الوقت بفضل التطور السكاني.

من هنا أهمية تطوير الأسواق المالية بحيث توظف أموال الصندوق في أدوات ادخارية متنوعة تسمح بتحقيق عائد مقبول وبمخاطر خفيفة نسبيا.