الرهان

ا. خالد علي مصطفى/العراق (جامعة المستنصرية)

أفرزت الانتفاضة الفلسطينية، وقدرتها على المطاولة، وعدم تأثرها بما تقوم به قوات الاحتلال الصهيوني من عمليات قتل واغتيال وتخريب، وحرق للمزارع والبساتين، بل وامتدادها إلى أماكن حساسة كان الكيان الصهيوني يظن أنها آمنة، أقول: أفرزت الانتفاضة جملة من الظواهر اللافتة للنظر لدى المستوطنين اليهود وقد ساعدت على بروز هذه الظواهر طبيعة العمليات العسكرية التي تواجه بها قوات الاحتلال الانتفاضة الباسلة، وهي عمليات اقل ما يقال فيها: أنها عمليات إفناء لجميع مقومات الوجود الفلسطيني .

هذه الظواهر، تشير إلى ان سياسة حكومة شارون الإرهابية لا تلحق الأذى بالشعب الفلسطيني وحده، بل أخذت آثارها تطول اليهود أنفسهم. ففي الوقت الذي تهدف به عمليات الجيش الصهيوني إلى تحقيق الأمن لكيانه ومستوطنيه، اصبح الأمن مفقودا سواءً في المدن أم المستعمرات، كما اصبح كل يهودي يشعر بان حياته مهددة في أية لحظة، وعليه فان هذه الظواهر تدعو إلى ايجاد سياسة أخرى بعيدة عن العنف وقادرة على تسوية الأمور بالطرق السلمية بدلا من (القبضة الحديدية ) التي أثبتت فشلها .

لكن علينا ان نكون حذرين من الاعتقاد بان مثل هذه الظواهر قادرة على تغيير السياسة الصهيونية تجاه الانتفاضة والشعب الفلسطيني ونضاله الوطني من اجل تحقيق المصير، وإقامة الدولة المستقلة، وحق العودة، لان مثل هذا الاعتقاد قد يقود إلى الوقوع في أوهام ذات نتائج لا تجمد عقباها . ان المشروع الصهيوني جملة وتفصيلا /يهدف/ بعد ان أقام كيانه في فلسطين، إلى إفناء مقومات الوجود الفلسطيني بحيث لا تعود لهذا الوجود قدرة على المطالبة بحقه، كما قلت ولن يتوقف هذا الهدف حتى يستسلم أحد الفريقين، والمستسلم هنا بطبيعة الحال يجب ان يكون من وجهة النظر الصهيونية الشعب الفلسطيني ولما كان الشعب الفلسطيني بدوره مصرا على نيل حقوقه على أرضه مع علمه ان الوضع العربي لا يستطيع ان يقدم الآن أية معونة تساعد على نيل هذه الحقوق، فان الصراع العربي ـ الصهيوني سيظل قائما أيا كان شكله ووسائله وهذا أمر مفروغ منه ويرقى إلى مستوى البديهات .

ومع ذلك فان بروز ظواهر لافتة للنظر داخل الكيان الصهيوني تدعو إلى تغيير سياسة هذا الكيان تجاه الشعب الفلسطيني وسلطته وانتفاضته، يحتم علينا ان نأخذها بمزيد من الاهتمام، مع إقرارنا بأنه قد لا يكون بمقدورها تغيير ما هو كائن .

بدأت هذه الظواهر بامتناع مجموعة من ضباط احتياط العدو بالخدمة العسكرية في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، ليسهموا في قمع الانتفاضة، بحجة ان عقيدتهم ( كذا ! ) تمنعهم من قتل النساء والأطفال، وقد بلغ عدد الممتنعين نحو ( 200 ) ضابط. وهو عدد يكفي لان يشكل سابقة في الجيش الصهيوني يمكن ان تتحول إلى ظاهرة تمرد قد تجر الجيش إلى ما لم يكن في الحسبان .

ومن ناحية أخرى، رافقت امتناع هؤلاء الضباط استطلاعات للرأي في الكيان الصهيوني تشير إلى ظهور نوع من المعارضة لسياسة شارون، بعد ان كانت هذه السياسة تحظى بالقبول حين اصبح شارون على رأس الحكومة بعد استقالة ايهود باراك وسبب هذه المعارضة هو ان العنف وسياسة القتل والتدمير لا تؤدي إلا إلى مزيد من العنف المتبادل الذي لا يستطيع الكيان الصهيوني تحمله على المدى البعيد. ويرى المراقبون ان مثل هذه المعارضة التي أظهرتها استطلاعات الرأي قد يستغلها حزب ( العمل ) للخروج من الائتلاف الحكومي, داعيا إلى ان يكون هو على راس السلطة كي يأخذ على عاتقه ايجاد مخرج من المأزق الذي وجدت حكومة شارون فيه نفسها وهو مأزق الفشل في القضاء على الانتفاضة وتحقيق الأمن للمستوطنين اليهود وإذا حصل مثل هذا الأمر فأن شارون سيكون كسلفه السابق باراك وهكذا سيتعاور (العمل) و(الليكود) على الحكم بذرائع شتى وبهدف واحد ستكون نتيجته الإخفاق ايضا، لأن (طينة الكيان الصهيوني) لا تتبدل مع تبدل حكوماته.

غير ان (فك الاشتباك) بين حزبي (العمل) و(الليكود) يواجه صعوبات جمة، لأنهما مسؤولان مسؤولية مشتركة عن سياسة الإرهاب التي تقوم بها الحكومة الائتلافية ضد الفلسطينيين. فهل يمكن لحزب العمل الذي يؤيد سياسة الإرهاب بحكم اشتراكه في السلطة، ان يكون معارضا لهذه السياسة في الوقت نفسه؟ غير ان (مهارة) الساسة الصهاينة على المناورة الانتهازية تجعلهم يدخلون أي مدخل يؤدي إلى (عرش داود).

ومما يلفت الانتباه ايضا ـ وهي ثالثة الاثافي ـ ان أحد الكتاب اليهود (وهو عاموس عوز الذي يزعم انه غير صهيوني)، دعا في مقال له نشرته إحدى الصحف الصهيونية، ونقلته عنها إذاعة لندن العربية ـ دعا حكومة شارون إلى الانسحاب من الضفة الغربية، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والعودة إلى (منطق السلام) بحسب اتفاقات أوسلو.

حين يدعو (عوز) إلى هذا كله، فهو لا ينطق عن نفسه فقط، بل لأنه ينضم إلى مجموعة تفضل حل المشاكل بالحديث حول الموائد بدلا من الحديث بقعقعة السلاح.

ومع ان (الحكومات الاسرائيلية) المتعاقبة لا تنظر إلى هؤلاء (القوم) نظرة جادة، بسبب من مثاليتهم المفرطة، فأنها لا تستطيع من ناحية ان تهمل مثل هذا الرأي لأنه يعضد مجموعة الظواهر الأخرى، ويتلاءم معها في الدعوة إلى ايجاد حل آخر غير حل (غلاصم الدبابات).

وترافق هذه الظواهر ظاهرة أخرى قد تكون اشد تأثيرا، هي خروج تظاهرات يهودية في العديد من المدن الفلسطينية، تطالب الحكومة بالكف عن (سياسة العنف)، وتدعو إلى السلام لوقف نزيف الدم الذي اخذ المستوطنون يذوقون طعمه بصورة متزايدة. وهذا يعني ان رقعة المعارضة لسياسة شارون تزداد اتساعا، فإذا أضفنا إلى ذلك ان شخصية شارون نفسه غير مقبولة نفسيا على الصعيد الدولي بسبب من تاريخه الإرهابي الدموي، فان المعارضة لسياسته ستؤدي إلى ان (تستحكم حلقاتها) عليه.

لكن (استحكام حلقات) المعارضة لسياسة شارون قد تدفع به إلى مزيد من العنف، فيسرع بتضييق الخناق على (عرفات) المحاصر في رام الله، ويقوم باحتلال منطقة الحكم الذاتي، كي يكون بمقدوره ان يصفي (حماس) و(الجهاد الاسلامي) ومن يسيرون على هديهما في العمل الفدائي .

والذي يساعد شارون على ذلك أمران، الأول: الصمت العربي الرسمي ولا مبالاته بما يجري للإخوان في فلسطين، وهذا عجز اعترف به من اعترف من العرب، والثاني: التأييد المطلق الذي يلقاه الكيان الصهيوني من الإدارة الاميركية.

اما الجهات الأخرى، كالاتحاد الأوروبي، فليس لها أي تأثير في السياسة الصهيونية، ولم تستطع ان تكون (شريكا) في أية صفقة عقدت ما دام العراب الاميركي هو المهيمن على مثل هذه الصفقات .

اما الأمر الذي يقض مضاجع (شارون) - اعني الكيان الصهيوني بجميع أحزابه- فهو الانتفاضة الفلسطينية الباسلة نفسها، التي انطلقت بإرادة شعبية ونمت بإرادة شعبية، (واستمر مريرها) بإرادة شعبية ايضا مع أنها محاصرة من لدن المحيط العربي والدولي معا. وهي تشكل مع صمود العراق وجها واحدا، وقضية واحدة، وتعبران عن (عروبة وحدة النضال).

وإذا كان (القدر الجغرافي) قد أوجد فاصلا بين فلسطين والعراق، فان وحدة النضال بينهما تجعل أحدهما مرآة صادقة للآخر.

وهذا هو الرهان، لا أي رهان آخر.