أميركا والعالم سذاجة القوة وهشاشة الحكمة
د. كريم محمد حمزة/العراق
إذا كانت القوة المجردة عنفا وهمجية فإن الحكمة ليست ضعفا، لا مجرد موقف نظري. وإذا كان العالم، ومن خلال التصريحات الصادرة عن كل مكان تقريبا قد أدرك حقيقة أن العقل الأميركي ساذج ويفتقر إلى الرؤية الواضحة والمرجعية الحضارية فأنه- أي العالم- لم ينجح في لجم عدوانية العقل الأميركي بل أن قوى مهمة في العالم انساقت وراء هلوسات ذلك العقل وتعاطفت معه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي حين (وقعت على بياض) من دون أدلة واضحة فدفع الشعب الأفغاني الثمن الفادح ومازال. وبذلك خسر العالم فرصة مهمة للتحرك الجماعي في إطار المنظمة الدولية ومن خلالها لمناقشة قضية الإرهاب وإيجاد معايير عادلة لتمييزه عن نضالات الشعوب والتصرف بالتالي طبقا لشرعية واضحة المعالم تستند إلى مسوغات لا تشوبها شائبة.
لقد وصف وزير الخارجية الفرنسي السياسة الأميركية بالسذاجة وهو وصف لا يمكن تفسيره إلا من خلال رؤية القائد صدام حسين حفظه الله للعلاقة التاريخية ما بين أوروبا التي طردت أسوأ سكانها إلى ذلك (العالم الجديد) وبين أميركا التي أقام فيها أولئك المطرودون مدينة القوة. ومع أن التاريخ لا يثبت على حال وان الشعوب تتعلم من خبراتها وتجاربها فأن العقل الأميركي مازال حتى اليوم يتصرف انطلاقا من مرجعية رعاة البقر والمغامرين الباحثين عن الذهب وعلى أساس أن شعوب الأرض هي جماعات من (الهنود الحمر) التي لا بد من إخضاعها أو فرض نمط الحياة الأميركية عليها أو حتى استئصالها. أما أوروبا فأن تأريخها يشكل وعاء حضاريا ورؤية تتميز بالعقلانية ولذلك وجب عليها أن تحمي أميركا من عصابها الذاتي ورهابها المرضي حتى لا تدمر نفسها وتدمر العالم.
ولا شك في أن مثل هذا الهدف لا يتحقق بمجرد الرفض والاحتجاج النظري. أي أن سذاجة العقل الأميركي ذات المضمون العدواني ينبغي أن لا تواجه بحكمة هشة أو ضعيفة بل بمواقف حاسمة في إطار احترام الشرعية الدولية وكما جسدها ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي والأعراف التي تنظم العلاقات بين الدول. إن تلك المواقف يمكن أن تردع هستيريا الحرب الأميركية العدوانية وتفضح شعاراتها وأهدافها وتلغي هيمنتها على القرار الدولي لأن أميركا تضع العالم كله في مأزق خطير حين تطرح ثنائيتها الساذجة (من ليس معنا فهو علينا) أو حين تنصب نفسها شرطيا ، أو تجعل من نفسها بديلا للمنظمة الدولية.
ولعل الذين أرادوا أن يسايروا أو يتعاطفوا مع الصدمة الهائلة لأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وجدوا أنفسهم في حال لا يحسدون عليها عندما اكتشفوا أن ما قامت به أميركا كان لمصلحتها هي دون غيرها وأنها الآن على مرمى حجر من بحر قزوين ومن أواسط آسيا والقوقاز وخصوصا بعد أن أصبحت أفغانستان قاعدة متقدمة لأطماع أميركا.
إن الانسياق وراء الإدارة الأميركية لا يتعارض فقط مع مبادئ وأخلاقيات التعامل بين الدول بل انه عين الخسارة لأن أميركا تستحوذ في العادة على كل (المغانم) فهي التي تمعن في التدمير وهي التي تهيمن على الجانب الأكبر من عمليات (إعادة البناء) فقديم بالتالي حياة كارتلاتها العسكرية والاقتصادية إلى جانب حقيقة أن أميركا بحكم سذاجة القوة وعنجهية التفوق، تجد نفسها مستغنية عن غيرها، وغير مضطرة للرجوع إلى الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أي أنها لم تعد بحاجة حتى إلى (شرعية ورقة التوت) التي اصطنعتها في الماضي مما يجعل أي بلد في العالم غير آمن من عدوانيتها، خصوصا وأنها تستطيع أن تلغي أي معاهدة، وتتجاوز على كل التزام، وان تنقلب على شعاراتها فتحول العدو إلى صديق وبالعكس وتجعل من نضال الشعوب إرهابا. ومن الجرائم الصهيونية دفاعا عن النفس ولعل تقسيم أميركا لدول العالم إلى فئات خير وشر يفصح عن بلادة أخلاقية وعن غباء سياسي وعن وهم مرضي ميثولوجي الجذور مفاده أن كل دولة في العالم ينبغي أن تتصرف طبقا للرؤية الأميركية وتعريفها للأحداث وان لا يقول ساستها إلا ما يقوله (كبير الموظفين) في البيت الابيض، وهكذا تصبح أميركا خطرا على نفسها وعلى العالم ولذلك لم تعد الانتقادات المجردة والتصريحات العابرة كافية لمواجهة المآزق الذي وجد العالم نفسه فيه.
إن حكمة هشة أو ضعيفة تقف عند حدود التنديد اللفظي أو النقد المجرد لم تعد تكفي لمواجهة حماقة القوة الأميركية بل لابد من إجراءات ومواقف عملية تقوم على أساس إدراك عميق مفاده أن توزيع القوة بين العالم ينبغي أن يصبح محل نظر ومراجعة وأن ديكتاتورية العقل الأميركي ينبغي أن تردع من خلال بعث الحياة في المنظمة الدولية لكي تكون مضلة للجميع، وتوسيع إطار مجلس الأمن، وعلى النحو الذي يؤمن عدالة قراراته ووضوحها وحسن متابعتها فضلا على ضرورة إيجاد تجمع مؤسسي لدول الجنوب يؤمن لها قدرة التعامل مع التغيرات الدولية من خلال إرادة جماعية. ولاشك في أن أوروبا تستطيع ان تكون أمينة على مبادئها حين تحرر قرارها من عبء الديكتاتورية الأميركية وتسهم في بناء عالم عادل لا تهدده حماقة القوة وسذاجة الرأي.
لقد شهد العالم خلال الأيام الماضية تصريحات أوروبية وغير أوروبية ترفض العنجهية الأميركية وتوجهاتها العدائية ضد عدد من دول العالم طبقا لمسوغات يدرك العالم كله مدى كذبها. إن تلك التصريحات على أهميتها من حيث ما تعكسه من حكمة فأنها لا تكفي بحد ذاتها. والدليل على ذلك أن رموز الإدارة الأميركية أعلنوا عدم حاجتهم إلى أي حليف وأنهم سيواصلون سياساتهم العمياء. مما يؤكد الحاجة إلى فعل دولي جماعي يجعل الحكمة موقفا قويا يوقف هذا المد الدموي عند حده. ولعل موقف العراق الثابت وصموده غير المسبوق وإيمانه بقدراته الذاتية يمكن أن يمثل سابقة حضارية لكل دول العالم التي ترفض الهيمنة الأميركية.