شذوذ وازدواجية معايير وغير ذلك

د. جعفر عبد المهدي صاحب

من الموضوعات التي حركتها آلة الإعلام العربية موضوع حقوق الإنسان وربط تلك الحقوق بموضوعات مستفزة مثل (الشذوذ الجنسي).

من المعروف نحن الشرقيين لدينا قيمنا الخاصة وتراثنا الديني والفكري الذي يضع كوابح معالجة الظواهر اللاأخلاقية ومنها الشذوذ الجنسي.

ولكن ليس الشرق وحده لا يستسيغ مثل هذه التصرفات فحتى الغرب نفسه لديه مواقف متشابهة وهذا ما يؤكد عالمية الأخلاق ونضرب مثلاً لما حصل في هولندا قبل أشهر بخصوص الأمير يوهان فريسيو المرشح الثاني لولاية العرش بعد شقيقه الأكبر الأمير الكسندر.

إن التقارير الصحفية أخذت تشير إلى أن يوهان البالغ من العمر (32)عاما لازال عازبا بسبب شذوذه الجنسي ما يؤدي إلى ترشيح أخيه الأصغر الأمير كونستانين ليحتل مكانه في ترتيب خلافة عرش أمهما الملكة بياتريس.

إن هذه الأخبار جعلت الحكومة الهولندية أن تعلن رسمياً موقفها المدافع عن الأمير وتبعد عنه هذه التهمة فقد صرح (اييف براوفرز) المتحدث باسم الحكومة (بأن الأمير يوهان قد ضاق ذرعاً بهذه الشائعات، وأنه ليس شاذا جنسيا).

وفي المقابل هناك تصرفات شاذة رسمية وشعبية تهدف إلى استخدام موضوع الشذوذ الجنسي لأغراض سياسية تارة أو عولمية تارة أخرى وهنا نعطي المكسيك كمثال على ذلك فقد دهش العالم لما حصل في مكسيكو سيتي حيث تم عقد قران رمزي لأكثر من (400) مكسيكي من الشواذ جنسيا في يوم الحب وهو عيد القديس فالنتين.

وتجمع هؤلاء الشواذ أمام مسرح الفنون الجميلة في العاصمة وهذا المسرح يعد أحد المعالم الثقافية البارزة في المكسيك والتي معظم سكانها من الكاثوليك) وأعلنوا ارتباط كل منهم بالآخر وتحصلوا من منظمي الحفل على شهادات الحياة (الزوجية) المشتركة.

وقالت ناشطة (اجتماعية) أن ما حدث عمل تاريخي يبشر بكسر جدار الصمت والخوف).

وقال منظمو الحفل إن الحدث يهدف إلى حث السلطات على إصدار تشريع يمنح الحياة من الجنس الواحد نفس الحقوق التي يتمتع بها الأزواج في الميراث والرعاية الصحية والإسكان وغيرها من الامتيازات.

ولو تفحصنا أرقام الأمم المتحدة حول الوضع في المكسيك في ظل موجة العولمة لشاهدنا أرقاما تشجع قيام مثل هذا النشاط الشاذ.

ففي المكسيك 40% من سكان الريف لا تشملهم الرعاية الصحية وأن 14% من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من نقص الوزن وأن 2,4% من كل (100) ألف نسمة لديهم إصابات بالأيدز وان البلاد تعاني من ديون تقدر ب (118) مليار دولار أمريكي وأن معدل النمو السنوي للدخل الحقيقي للفرد الواحد (صفر) وأن 23% من سكان المدن يعيشون في فقر مدقع مقابل 43% من سكان الريف المكسيكي يعانون من الفقر المدقع.

ان هذه الأرقام تؤكدها تقارير التنمية البشرية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة وهي تكشف حقيقة الوضع الاقتصادي المتردي في المكسيك في ظل العولمة الاقتصادية وتصاعد دور الشركات الاقتصادية الاحتكارية الرأسمالية التي تضاعف أرباحها سنوياً على حساب آلام وفقر الشعوب ومنها الشعب المكسيكي.

لذا فأن الناشطين في عيد القديس فالنتين لا تهمهم مسألة الشذوذ الجنسي ذاتها بل يهدفون إلى كسر وتحطيم القيم الاجتماعية والدينية السائدة من اجل تعميق الفقر ومضاعفة الديون الخارجية.

وفي عالمنا العربي، تؤكد التقارير الدولية بأن نسبة الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة هي أقل نسبة في العالم، وهذا دليل على فعالية القيم ودور العامل الديني في حماية المجتمع من الشذوذ والتفكك الأسري وارتكاب المحارم.

ولعل ما حصل في مصر بخصوص قضية (الشواذ) أمام إحدى المحاكم المصرية دليل واضح عل رفض المجتمع العربي لأي ظاهرة تخل بمنظومة قيمه.. لقد ذكرنا هذه القضية لنصل إلى بعض الاستنتاجات التي تهمنا في إطار إثارة هذا الموضوع.

فلا يهمنا مدى صحة أو عدم صحة ما حدث، ولا يهمنا عدد المتهمين قل أم كثر، ولا يهمنا ما ستسفر عنه هذه القضية من أحكام.. ولكن الذي يهمنا هو السلوك الخارجي المنظم في تناوله لهذه القضية.

في قضية الشواذ بمصر يحضر جلسات المحكمة ممثلون من سفارات أجنبية وفي هذه القضية ترسل مذكرة من ألمانيا يوقع عليها (20) عضوا برلمانيا من دعاة حقوق الإنسان والحريات العامة.

بالإضافة إلى هذا كله تهتم وكالات الأنباء الأجنبية والصحف ووسائل الإعلام الأخرى بهذه القضية.

ومن جانب آخر من حقنا أن نسأل الجهات الغربية التي اهتمت بقضية (الشواذ) هل تعلم بأن كل شهر يموت خمسة آلاف طفل عراقي نتيجة للحصار الأمريكي البريطاني المفروض على العراق؟

فكيف اهتز ضميرهم إزاء بضعة أفراد يمثلون أمام القضاء المصري ولم تحركهم ضمائرهم إزاء ألوف الأطفال العراقيين؟

ولماذا ثارت ثورتهم وأرسلوا أفرادا من بعثاتهم الدبلوماسية لحضور جلسات المحاكمة لمجموعة من الأفراد ولم يرسلوا مراقبين إلى فلسطين المحتلة رغم أن الناس هناك تذبح يومياً كالخراف على يد الآلة الصهيونية؟.

لا نعلم أن موضوع الشذوذ الجنسي بهذه الخطورة التي تهدد مصير الإنسانية وحقوق الإنسان بهذا الشكل، أما حياة الإنسان ومصير الشعوب وقتل الأطفال لا علاقة له بحقوق الإنسان!

وعلينا اليوم أن لا نبحث في الشذوذ الجنسي بل في قضية الشذوذ العقلي.