مشروع الدولة ومشروع الأمة

د.علي عقلة عرسان/رئيس اتحاد الكتاب العربي

بدايةً أسأل ما هو المشروع القومي العربي المنشود الذي هو مشروع الأمة التاريخي الكبير!؟ هل هو مشروع تحريري للأرض والإرادة والاقتصاد والقرار السياسي والإنسان من أشكال الاستعمار والاحتلال الاستلاب، وتخلص من التبعية بأشكالها ، ولا سيما التبعية الثقافية للمركزيات الأوربية غربية رأسمالية أو شرقية شيوعية سابقاً أو التخلُّص من تبعيات أخرى كامنة في عمق الذاكرة أو منذرة بغزو وشيك، وتحريرٍ للإعلام والمعلومات من حصرية التدفق عبر قنوات غربية صهيونية في أكثر الأحيان، ومن ثم تحرير أوسع للشخصية العربية من قيود الذات والتخلف ومن أغلال الغير واستهدافهم والخوف من الغير ومن استهدافهم وامتلاك ثقة وأمل على أرضية موضوعية، أم أنه مشروع تحرري للفكر والسلوك العربيين مما يعيق انطلاقتهما وإبداعهما من أفكار وعادات وتقاليد وأنماط سلوك قديم وتعاليم بالية أو دخيلة فاسدة، وتحرير الشخصية العربية مما يثقلها ويعوق انطلاقها وقدرتها على الأداء بإبداع من جهل وإحباط نتيجةً للأمية، بنوعيها: عدم القدرة على القراءة والكتابة، والأمية الثقافية أو المعرفية العامة الكامنة في انعدام المتابعة وسطحية المعلومات وسطحية الخطاب وسطحية التلقي وسطحية التقديم والمقدّم من الزاد المعرفي الذي يبث ليكون أحياناً وعياً معرفياً عميقاً، لا سيما وأن المعطى الأساس للمتابعة يتم توفيره مما يُقدم في الإعلام وليس بما يقدم في الكتاب.

هل المشروع القومي، مشروع الأمة، هو ذلك الذي يتركز أساساً حول موضوع الوحدة العربية؟ وهل الوحدة مما يطرح الآن ـ من وجهة نظر البعض ـ  بعد أن أصبح التضامن العربي هو الأفق المرتجى ومن دونه خرط القتاد، ونجاح اجتماع القمة العربية القادمة في بيروت دائرة من دوائر الأمل حتى لا تمنى القمة بالفشل ، في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني للإبادة وقضيته للتصفية، وتتعرض فيه العقيدة والثقافة لمحاولات تقييد وتدخل وتوجيه من قبل أعداء الأمة العربية والإسلام!؟.

وهل من يفكر بالوحدة والعمل العربي المشترك، في منظور البعض، واقعي أم واهم، داخل العصر أم خارجه، يقف على ما يجري أم مغيب عن مجريات الأمور كلها؟! وهل ارتكاز المشروع العربي في يومٍ ما على طرح الوحدة كان خطأً أدى إلى خلل في التكوين الروحي والتطلع القومي؟!  أم أن ذلك الطرح هو أساس التوجه السليم ولكننا انحرفنا أو ابتعدنا أو أُبعِدنا أو تهنا عنه بأشكال مختلفة؟! هل المشروع القومي هو مشروع الوحدة فقط تخضر بعدها الدنيا وتزهر لنا وتزدهر ويتحقق التحرير ويتشظى البؤس وترتفع عن الأمة العربية كوابيسها وتعرج في معرج الحضارة والرقي؟! أم أنه المشروع المدخل لكل المشاريع الكبيرة الأخرى ومنها ما ذكرت، ويحتاج النضال من أجله ومن خلاله وإلى جهود جبارة وآمال ثابتة وإرادة لا تلين لكي ينصب الجهد العربي كله والمال العربي والعمل العربي ، على تحقيق تقدم علمي: نظري وتطبيقي في مجالات مدنية وعسكرية واكتساب القدرة على تفعيل التكامل العربي، والتعامل مع معطيات عصر المعلوماتية والهندسة الوراثية والأسلحة البيولوجية والنووية.. عصر تهديد الهويات والثقافات القومية والعقيدة الدينية وسيادات الدول من قبل الوحش الإمبريالي والصهيونية العالمية، عصر الحشد الشامل لتحقيق توازن مع القوى المعادية من جهة والتعامل باقتدار وحيوية مع تحديات العصر والعلم والقوى المحيطة بالأمة العربية أو تلك التي يتم التعامل معها سلباً و إيجاباً من جهة أخرى، أي أنه مشروع حضاري شامل في النهاية لا ينهض به قطر عربي بمفرده أياً كانت قدرته ولا بد له من زج كل الأقطار العربية فيه لتصبح بمجموعها مبعث أمل حقيقي وقدرة على تحقيقه ؟! إنه مشروع مناقض على نحو ما لمشروع الدولة : الأمة، الذي تعمل عليه معظم الأقطار العربية إن لم نقل كلها لأنه مشروع يضعف الدولة لمصلحة الأمة إن لم نقل يذيبها في الدولة الأم.. وهذا يخيف كثيرين ممن اعتادوا على أن يكونوا رأس الدولة في اثنتين وعشرين دولة ضعيفة لا تملك سوى أن تصرخ إذا ضربت ولا تكاد تشعر بالألم إذا ضرب شقيق لها أو جار قريب؟!

 هل المشروع القومي يهتم بأفق العمل العربي في مواجهة العولمة التي تهدد المصالح العربية والهوية والثقافات القومية وسيادات الدول القطرية وتعمل على إعادة القنانة بشكل جماعي وإعادة سيطرة رأس مالٍ معين على بلدان بكاملها وليس على شرائح اجتماعية فقط؟ أم أنه مشروع يرمي إلى تحقيق وجود من نوعٍ ما يتطلع إلى أدنى مستوى من البقاء المكين في عالم يحكمه الأقوياء ويبتلع فيه السريع البطيء في قاعدة مغايرة لما كان في السابق حيث كان يبتلع القوي الضعيف فاجتمعت الآن في عصر السرعة: القوة مع السرعة أو انضوت تحت لوائها!!.

المشروع القومي ـ مشروع الأمة ـ  من منظورنا نحن الذين تعلقنا به مذ كان عاطفة مشبوبة وحلماً متوهجاً في الوجدان وتطلعاً تبنى عليه الآمال والتطلعات كان وحدةً تؤسس للقوة ووعياً يؤسس للمسؤولية، وحرية تؤسس للتحرير، واشتراكية تؤسس للعدالة الاجتماعية ولصلابة البنية الاقتصادية وتطورها، لم ينفصل عن الرؤية النضالية للتحرر من الاستعمار وللنهوض بالأمة نهوضاً شاملاً ولم ينفصل عن الديموقراطية في خصوصيتها القومية، ولا عن العدل وفق الإسلام أياً كانت التسميات والأيديولوجيات. وقد آل المد القومي إلى انحسار، والحلم القومي إلى انكسار، والاشتراكية إلى شيء من فساد وإعادة لتوزيع الثروة بما لا يحقق اكتفاء ولا عدالة ، في ظل قوقعة قطرية تشكل صيغة اعتراضية على النزعة القومية والدعوة القومية معاً وتعيش حالة تبعية ما زالت قائمة على نحو وتفتك بنا في كل منحى..

والمشروع القومي، شأنه في ذلك شأن الفكر القومي، يحتاج إلى تجديد يشمل الرؤية الفكرية والتنظيم والوسائل والأدوات والأساليب، وقد يتطلب ذلك إعادة بناء الذاكرة ومنطق الخطاب، والقيام بالاستفادة من التجربة الماضية التي استمرت عقوداً من الزمن، وقراءة روح العصر ومنطقه قراءة علمية موضوعية، ومن المعطيات العصرية والمتغيرات العربية والدولية في اتجاهيها: السلبي والإيجابي. ولا أظن أن التغيير المنشود أو التغيير الذي غدا ضرورة تحتاج إلى البصيرة والإرادة والشجاعة، لا أظن أن التغيير الذي سيطرأ في أثناء حركة التجديد أو التوجه نحوها سوف يمس الأهداف النهائية والثوابت المبدئية في الجوهر ولكنه سيكون جذرياً فيما أقدر، في كل ما يتعلق بالخطاب العربي ومعطياته وأسلوبه وأحكامه وعصموياته ومعاييره، وفيما يتعلق بنهج الوقوف في مرتكز أو مركز ما ودعوة الآخرين للالتحاق به.. أي بنا!؟ وفي كل ما يتعلق بالشريك الذي نصمم معه المشروع القومي المرتكز أساساً على العمل معاً وعلى معطيات الهوية والشخصية ومقوماتهما الرئيسة ، لا سيما: اللغة العربية بما حملت والإسلام ومنظومات القيم التي يكرسها وبقية السمات والعادات والتقاليد والأعراف والتاريخ ... إلخ التي تكمل مقومات الشخصية وتقيم قوامها على أسس مادية ومعنوية متينة، ونتوجه مع ذلك الشريك من أجل الوصول إلى الغاية عبر برامج وخطوات لا غنى لطرف فيها عن الآخر ولا قدرة لطرف فيها من دون الآخر، بعيداً عن الأحكام المسبقة والمواقف والاتهامات وحذلقة الأدلجات والمواصفات المسبقة الصنع التي يثبت في كثير من الأحيان أنها تعطل المسيرة وتلغم النوايا أو تجانب الصواب، وبعيداً عن أنواع الوصاية وأشكالها التي كانت تفسد الكثير وتؤسس لانعدام الثقة وتحول الشريك في البناء والهدف والوسيلة إلى عدوٍ يؤدي الصراع معه إلى هدم البناء وتشويه الأهداف والانحراف بالوسائل عن أغراضها، أو إلى الالتحاق علناً بعدوِ الأمة، حماية للمختلف مع بعض أطراف الأمة من  شر الاختلاف وعواقبه!!.

وإذا كانت التحديات التي يطرحها الوضع العربي الراهن، لا سيما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وفي مجال تصفية قضية فلسطين وحق العودة بدولة لا تتمتع بشيء مما يعني الدولة ويقيمها، ووببهرجة إعلامية تساعد على دفن الميت : الحق والقضية العادلة في مأتم لائق يساهم العرب قبل سواهم في إقامته ويبخرون الزوار بدم شهدائهم!؟ مما يثقل على المرء عند التأمل والتدبُّر لما في ذلك من فساد وقصور وضعف وتنافر وتبعية واختراقاتٍ تتم لمصلحة العدو الصهيوني والغرب الاستعماري، حتى في صلب الثوابت أحياناً، فإن التحديات التي يطرحها على أمتنا العصر بما وصل إليه من تقدم العلم والتقانة والمعلوماتية وما يملكه أعداؤنا من قوةٍ في كل المجالات، وما يملكونه من قدرات على تطوير أدائهم وإمكانياتهم، لامتلاك المزيد من القدرة والقوة، وما يطرحه العدو الصهيوني وحليفه الأميركي وما يمارسانه من حصار وقتل وتهديد وهجوم على المقدس وغير المقدس معاً، يضع البعض منا أمام اليأس والاستسلام أحياناً، ويثقل كاهل البعض الآخر بالهم والإحباط، ويترك شريحة لا يستهان بعددها تعطي ظهرها للواقع وللحلم والأمل والهدف النبيل وتقول: نقبل بما يُعطي لنا من فتات!؟ ومما يؤلم أكثر في هذا المجال أننا لا نشعر بالقلق حياله بل ننساق مع تيار الزمن من دون أن نشعر بقيمة الزمن ولا بضرورات التحرك بأقصى السرعة لنلحق، هذا إذا لحقنا، آخر عربات القطار البطيئة التي تغادر محطاتها متوجهة إلى مرحلة جديدة من عصر التقدم المذهل، الذي نمر به ونحن خارج حدود القلق أي خارج حدود المعرفة بما يسبب الخطر والتخلف الأبدي، ومن ثم يحرك بواعث القلق، وتلك من أكبر السلبيات التي علينا أن نواجهها فيما إذا أردنا أن نتطلع بفاعلية وأملٍ وإيجابية إلى مشروعنا القومي والتحديات التي تواجهه، وضرورة الاستجابة المقتدرة لتلك التحديات.

ليس من حقنا ولا من حق أحد سوانا أن يدفعنا إلى بؤر اليأس من أنفسنا ومن أمتنا ومن المستقبل ويقتل فينا الأمل بقدرتنا على النهوض وتجاوز حالات الضعف والفرقة والتبعية والتخلف ، لأن المعطيات الموضوعية لقدراتنا الكامنة وإمكانياتنا المعطلة وطاقاتنا الكبيرة تشير إلى أمل عريض وقدرة على تخطي الوضع المؤلم والانتقال إلى وضع يزدهر فيه الأمل وتستعاد فيه الثقة على أرضية واقعية من الإمكانيات والمعطيات، إن الأمة العربية تملك الكثير مادياً ومعنوياً، مما يكفل لها مصادر قوة علمية وروحية .. مادية ومعنوية كفيلة ـ إذا ما أحسنا توظيفها توظيفاً سليماً ـ بإحداث نقلة نوعية في ميادين الأداء والتصدي والمواجهة الخلاقة للأعداء والتحديات بأنواعها، ولكن كيف نحقق ذلك ومتى نحققه؟ كيف ننتقل اليوم من مشروع الدولة إلى مشروع الأمة ، أي من المشروع القزم المهزوم إلى المشروع العملاق الواعد بألف نصر ونصر؟! من مشروع التخلف الأبدي إلى مشروع التقدم الواعد؟! ذلك هو السؤال وذاك هو رأس التحديات التي علينا أن نواجهها بكل جدية وقدرة وموضوعية ومسؤولية، فهل ترانا نفعل ذلك وندرأ الموت عن أطفالنا ونبعد السكين عن العنق ، والإحباط عن الروح، والعدو عن فلسطين وديار أهلها وأطفالها وقضيتها العادلة ومقدساتها العربية والإسلامية، والأميركي المدجج بذرائع  مقاومة الإرهاب  وبالحقد الصهيوني الذي يرسم له تصرفه وخطوه وخطابه، هل ترانا نبعده عن الأرض والقرار السياسي والثقافة القومية والتربية والتعليم ومناهجهما وعن كتب الحديث والتفاسير والقرآن الكريم ذاته، وعن المدرسة والجامعة والجامع!؟ إنه التحدي الأساس المطروح علينا : تحدي الذات لتواجه العدوان على ذاتنا بقدراتنا وهي كثيرة وبعزيمتنا وعي كبيرة.. وإن الله ينصر من ينصره وهو على نصر المؤمنين قدير.