دبلوماسية الطبول الحربية تثير إحساسا عالميا برفض التبعية لاميركا

د. عزيز علي

عميد كلية القانون ـ جامعة كربلاء

السياسة الخارجية الاميركية باتت مثل التاجر الفاجر الذي يريد كل شيء ولا يعطي أي شيء. وعلى أساس وهم القوة الاقتصادية العسكرية تحاول واشنطن تكريس مفهوم القطب الواحد، بيد ان وزير الخارجية الألماني فيشكا فيشر ندد بهذا المفهوم قائلا : ان ستة مليارات نسمة في العالم لن تساق إلى مستقبل سلمي من خلال مفهوم أقوى قوة فقط، معلنا ان تياراً متناميا في أوروبا وألمانيا لا يمكن ان يخضع للوصاية والتبعية الاميركية تحت لافتة التحالف، فأميركا تحاول ايهام العالم بحرصها المزيف على الأمن العالمي يوم ارتدت عباءة إعلان الحرب على ما يسمى بالإرهاب كغطاء للسيطرة على ثروات الشعوب والعدوان على من لا يتفق ومفاهيم السياسة الخارجية الاميركية التي تسعى إلى النفط والطاقة وضمان أمن تل ابيب بأرخص الأثمان.

ان مفهوم التفرد بتقرير مصير العالم على وفق رؤية انتقامية اثنية تقسم العالم إلى أهل وأغراب فيها العرب والمسلمون هم الأغراب والصهاينة ومن يدور في الفلك الاميركي هم الأهل، انما هو مفهوم يقوم بقدر خطير على تأجيج النزاعات والأحقاد بين الثقافات والشعوب في العالم، فأحد أهم الآثار المهمة لمفهوم القوة الاميركية المطلقة، وهو ما لم يتوقعه الاميركان قد أثار إحساسا دوليا هائلا حتى وسط الحلفاء الأوروبيين بالمحافظة على المفهوم السيادي المستقل بعيداً عن التبعية والذيلية لاميركا. واستراتيجية الطبول الاميركية التي أطلق عنانها بوش الصغير قد حفزت مشاعر السياسيين وأوساطا كبيرة من الرأي العام العالمي، وقبل ذلك العربي والاسلامي، ضد السياسة الاميركية، وبشكل غير مسبوق.

فالألمان ظهروا مثلا على الساحة بشكل واضح عبر موقف ينشد الاستقلالية، والجامعة العربية باتت في صحوة، بعد غفوة طويلة، ومع اكتساب الشعوب والدول الخبرة السياسية بفضل مشعل الحرية العراقي الذي أنار طريق التحدي فيه للعالم حقيقة التهور والجشع والصلافة الاميركية الأمر الذي مثل التحدي العراقي عامل تحفيز لدول العالم للعمل بجدية لمنع انقضاض الغول الاميركي على قواعد العلاقات الدولية والقانون الدولي، وتيقن العالم ان تهويشات طبول السياسة والإعلام والمخابرات الاميركية بشأن العراق، انما هو طريق لترويض وتخويف دول العالم عبر (استراتيجية التخويف الفعال) التي تستخدمها واشنطن في محاولة لتعليب العالم في العلبة الاميركية، وأصبحت تهويشات العدوان والحرب حافزا حتى لسياسيين وكتاب اميركان وأوروبيين استثمروها فرصة للتحذير من مخاطر الانزلاق نحو مهاوي حرب معلنة ضد العرب والمسلمين عبر عملية استهداف العراق، فالأمين العام للجامعة العربية أعلنها في تركيا صراحة ان العدوان على العراق انما يعني إعلان الحرب على العرب قاطبة.. حتى بدت فكرة وضع قواعد حرب انتقائية وتحديدات اصطناعية أحادية الجانب للعدوان على الأقطار العربية فكرة مرفوضة فمن الصعب على العرب حقا افتراض تجريدهم من متطلبات الدفاع عن الأمن القومي لكي تبقى الصهيونية بمخالب نووية وكيمياوية وبايولوجية. فأمل العرب في مستقبل آمن يجب ان لا يعلق على تحديدات واجراءات أحادية، ولكن على منع أية فرصة لعدم تطبيق الفقرة (14) الخاصة بإخلاء كل منطقة الشرق الاوسط من كل أسلحة الدمار الشامل لاستئصال خطر العدوان، وهذا هدف واقعي انطلقت منه السياسة العراقية.

فالمنطقة متخمة بالأسلحة وبؤر الصراع لم تطفأ بعد، والمخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي مازالت حادة، والدعوة العراقية المنسجمة مع مضمون الفقرة (14) لتمثل مجموعة من الاجراءات الشاملة والمنظمة من اجل تحسين الوضع الدولي، إضافة إلى جملة رؤى ترتكز على رفض استخدام القوة أو التلويح بها في حل المنازعات الدولية وتصفية القواعد العسكرية الاميركية من المنطقة وهذا هو الذي يحمي المصالح الانسانية المشتركة المشروعة. فالهدف الأهم بالنسبة للعراق هو نزع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة ومن العالم عامة، والعراق خال من كل هذه الأسلحة واميركا وفرق التفتيش تعرف ذلك، إلا ان أولئك الذين وقعوا اتفاقيات نزع أسلحة الدمار الشامل مازالت ترساناتهم مملوءة بها، حتى أصبحت تلك الاتفاقيات والوثائق أشبه بأنصاف اجراءات لم تعمل إلى المدى الذي رسمته تلك المعاهدات والاتفاقيات، لا بل ان تلك المعاهدات ولدت ميتة في أسلوب التعامل الصهيوني الذي يعطي الحق لنفسه بتملك كل أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية وتحرمه على العرب والمسلمين.

وأمام هذا لا يستطيع المرء سوى ان يعجب من وقاحة النظرة الصهيونية الاميركية. فالعراق يسعى إلى هذه الأهداف بثبات، لكن اميركا ومن تحالف معها على الشر ترفض لغة المنطق والعدل والإنصاف وتتجاهل الالتزامات التي حددتها قرارات دولية أصدرها مجلس الأمن بصياغة اميركية بريطانية صهيونية. ومع هذا كله فان العراق عرض مبدأ الحوار مع الأمم المتحدة من دون أية شروط، وبدل ان تحرص اميركا على تطبيق القرارات الدولية بروحيتها القانونية راحت تغرقها بألاعيب سياسية، لكن اميركا تخطئ إذا اعتقدت ان خلق وضع عالمي سليم هو مهمة اميركية فقط، أو انه واجب الهي لاميركا فهذه المهمة هي من مهمات الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي، وأن ضمان أمن جماعي اقليمي ودولي ينطوي على ضم جهود اكبر عدد ممكن من الدول وبالذات العربية والاسلامية، وفتح قنوات حوار وشراكة عربية اسلامية ـ مسيحية أوروبية، اما نظرية ومفهوم الدولة الأعظم التي تتآمر وراء ظهر الشعوب للسيطرة على العالم، فان زيفها واضح، وأنها مصممة لعرقلة عمليات الاستقرار والتعاون الدولي.

ان الدبلوماسية العراقية في عملها السياسي الخارجي تحمل أهدافا جليلة وسامية، مع أنها صعبة، لكنها واقعية، أنها واقعية لأنها سياسة السيادة من اجل المستقبل والشراكة الانسانية كونها تستند إلى قوة الثبات والمقاومة العراقية، أنها سياسة واقعية لان دبلوماسية الحكمة العراقية تتفاعل مع متغيرات عميقة في العالم، متغيرات تضغط بهذا الشكل أو ذاك على قوى العدوان وتدعوها إلى التكيف مع قيم الشراكة الانسانية فالدبلوماسية العراقية ترى ان منع العدوان وتحقيق توازن في النظام الدولي هو ليس عمل السياسيين فقط، بل هو ايضا واجب قيادات الرأي العام الاجتماعية في دول العالم.