استراتيجية الكيان الصهيوني في البحر الأحمر وضرورة مواجهتها

ا.د. ابراهيم خليل العلاف

أثارت حادثة احتجاز القوات البحرية الصهيونية سفينة مجهولة الهوية محملة بالأسلحة في البحر الأحمر قبل مدة قصيرة مسألة الأطماع الصهيونية في البحر الأحمر ومخاطر هذه الأطماع على الأمن القومي العربي وقصة هذه الأطماع ترتبط بالأهداف الاستعمارية الغربية من وراء إنشاء الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي واستمرار دعمه عرقلة نهوض العرب والحيلولة دون تقدمهم ووحدتهم وحتى يوم 16 من آذار/مارس سنة 1949 لم تكن للكيان الصهيوني أية حدود أو وجود أو نقاط وصول إلى مياه البحر الأحمر لكن توقيع اتفاقيات الهدنة المشؤومة في 24 من شباط/فبراير 1949 جعل العدو الصهيوني يتحفز للاندفاع جنوبا لتحتل قواته لسانا ضيقا على خليج العقبة عند أم الرشراش وقد تم في ما بعد إنشاء ميناء (ايلات) المجاور لميناء العقبة الأردني.

ولقد أفاد الكيان الصهيوني من حروبه العدوانية ضد الدول العربية في ادعاء ما يسمى في حينه (حق المرور البري في خليج العقبة وفي مضايق تيران التي تربط الخليج بالبحر الأحمر) مع العلم ان مضايق تيران تعد مياها اقليمية عربية وقد ركز الصهاينة إبان العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 جهودهم في احتلال شرم الشيخ وبدعم من الولايات المتحدة الاميركية حصل الكيان الصهيوني على امتياز المرور عبر مضايق تيران وخليج العقبة وباتجاه البحر الأحمر والمحيط الهندي أي إلى آسيا وإفريقيا وكان لهذا الإجراء دور كبير في نجاح الكيان الصهيوني في توسيع نطاق علاقاته السياسية والعسكرية والاقتصادية مع العديد من دول آسيا وإفريقيا.

وفي 22 من أيار/مايو 1967 قرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إغلاق مضايق تيران بوجه العدو الصهيوني وطلب من قوات الطوارىء الدولية الموجودة في شرم الشيخ منذ سنة 1956 الانسحاب بعيدا عن الحدود الدولية لمصر، وقد عد الكيان الصهيوني هذا القرار بمثابة إعلان حرب واتخذه ذريعة لشن عدوانه صبيحة يوم 5 من حزيران 1967 وكان من نتائج هذه الحرب احتلال الكيان الصهيوني سيناء والاستمرار في الإفادة من مضايق تيران وفي حرب 1973 عادت مصر فأغلقت بالتعاون مع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر مضايق باب المندب جنوبا في وجه الملاحة الصهيونية وذلك في محاولة لكسر نظرية الأمن الصهيونية القائمة على ضرورة الاحتفاظ بشرم الشيخ لكن ذلك لم يدم طويلا فلقد ساعدت اتفاقيات كامب ديفيد الصهاينة على التمتع بحق المرور في قناة السويس ومداخلها في كل من خليج السويس والبحر المتوسط وقد عدت تلك الاتفاقيات مضيق تيران وخليج العقبة من الممرات المائية الدولية المفتوحة.

يشير الاستاذ صلاح الدين حافظ في كتابه (صراع القوى العظمى حول القرن الإفريقي) المنشور سنة 1982 إلى ان البحر الأحمر يتمتع بمزايا ستراتيجية واقتصادية وعسكرية فضلا على انه قام بدور تاريخي في الربط بين الحضارات العربية وإفريقيا وفي العصور الحديثة ونتيجة لما حصل عليه الغرب من مكاسب إثر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح سنة 1492 فأن البحر الأحمر صار ميدانا للتنافس بين الدول الكبرى.

وقد عجز العثمانيون الذين سبق لهم منذ مطلع القرن السادس عشر، ان استحوذوا على أقطار الوطن العربي عن مقاومة الغزو الأوروبي وطبيعي ان البحر الأحمر كان من بين المناطق التي دار حولها الصراع وقد حرص الغرب على زرع الكيان الصهيوني في الأرض العربية فلسطين وبات هذا الكيان منذ ذلك الوقت وحتى الآن قاعدة متقدمة للقوى الاستعمارية ومما يلفت النظر ان العدوانيين الاميركان يحاولون بشتى الطرق تطويق الوطن العربي ودعم الكيان الصهيوني وإثيوبيا بهدف إثارة المتاعب للعرب وضرب فكرة بقاء البحر الأحمر عربيا والترويج لتحويل مضايقه وممراته العربية الواقعة في نطاق المياه الاقليمية إلى ممرات ومضايق دولية.

لقد عبر ديفيد بن غوريون وهو من ابرز قادة الكيان الصهيوني وأكثرهم عنصرية وسبق له ان اصبح أول رئيس وزراء بعد إنشاء هذا الكيان المسخ عن أطماع (اسرائيل) في البحر الأحمر فقال سنة 1949: (أنني احلم بأساطيل داود تمخر عباب البحر الأحمر !!) ويحلل العقيد الركن عبد الله رشيد عبد العامري في مقالة له نشرها في جريدة (القادسية) (25 من شباط/فبراير 1996) بعنوان: (الكيان الصهيوني وعسكرة البحر الأحمر) الأهداف الستراتيجية الصهيونية تجاه البحر الأحمر فيقول: ان البحر الأحمر يعد من اقصر وأسرع الطرق البحرية التي تربط بين الشرق والغرب فضلا على امتلاكه خصائص جيوبوليتيكية مهمة نتيجة قربه ومحاذاته البلدان النفطية وبالأخص الخليج العربي والجزيرة العربية لذلك كان سعي الكيان الصهيوني بتوسيع حلبة صراعه نحو البحر الأحمر تحقيقا لأطماعه الخبيثة.

ان محاولة الكيان الصهيوني للتواجد في البحر الأحمر من خلال احتلال بعض الجزر مثل ( جزيرة دهلك) و(جزيرة ابو الطير) و(جزيرة حالب) و(جزيرة زقر) و(جزيرة ابو علي) وبعض جزر الفرسان بالاتفاق مع اثيوبيا واثنتي عشرة جزيرة تقع معظمها عند مدخل البحر الأحمر في باب المندب وإقامة تحصينات عسكرية فيها هذه المحاولة تجيء طبقاً لما سمي بستراتيجية الاقتراب غير المباشر والحرص على تأكيد التفوق العسكري والإفادة من المتغيرات الدولية وتطويق وإجهاض أية حركة نهوض عربية.

منذ قرون والغرب الاستعماري والصهيونية العالمية يعملان على ضرب الاقتصاد العربي والايغال في تمزيق الوطن العربي وطبيعي ان تستند الأطماع الصهيونية إلى مرتكزات الاستراتيجية الاميركية التي وضع أسسها (الأدميرال ماهان) وتقوم على فكرة مؤداها ان من يسيطر على البحار والخلجان والمضايق يسيطر على العالم لذلك جاء اهتمام الاميركان بالخليج العربي والبحر الأحمر كونهما يلتقيان حسبما قال بريجنسكي مستشار الأمن القومي الاميركي الأسبق بقوى الأزمات الذي يبدأ من جنوب شرقي آسيا والمحيط الهندي ويشير الاستاذ فاضل جواد في مقال له نشر في جريدة الثـورة يوم 30 من كانون الأول/ديسمبر 1991 بعنوان (التغلغل الصهيوني في البحر الأحمر) إلى ان الولايات المتحدة الاميركية تعمل من اجل تطويق منافذ الوطن العربي الجنوبية والشرقية وفي نقاط متعددة تعطي الكيان الصهيوني فرصة التحرك تحت مظلتها وخاصة في حالة غياب التنسيق العربي في المواقف المصيرية.

إزاء التحديات العدوانية الاميركية والصهيونية تجاه هذه المنطقة الحيوية من وطننا العربي لا بد للعرب من ان يتفقوا على ستراتيجية عربية موحدة حفاظا على الأرض والمياه العربية فالبحر الأحمر هذا الجسم الممتد طوليا ما بين السويس في أقصى الشمال وباب المندب في أقصى الجنوب بحر عربي (مساحته 17800 ميل مربع وطوله 1200 ميل)، وهو من اعظم طرق المواصلات البحرية في العالم وقيمته الاقتصادية كبيرة وتمر عبره ثروة العرب النفطية كما انه يحقق ارتباط المشرق العربي بالمغرب العربي وبدول الغرب وهذا كله يلقي على عاتق صناع القرار العرب مضاعفة الجهد في حماية هذا البحر وصيانة سواحله وجزره من الاعتداءات الاستعمارية والصهيونية.

وهنا لا بد من ان نذكر بعض الجهود العربية التي تمتد إلى أيام المد القومي العربي في الخمسينات الهادفة إلى مواجهة الأطماع الأجنبية وأبرزها المؤتمر الذي عقد في 8 من شباط/فبراير سنة 1955 في القاهرة وميثاق جدة الموقع في 21 من نيسان/ابريل 1956.

وقد استهدفت هذه المحاولات الاتفاق على موقف استراتيجي بين الدول العربية التي تطل على مياه البحر الأحمر والتعهد بحماية أمنه والرغبة في وضع نظام أمن مشترك لتأمين سلامة واستقلال هذه الدول وما أحوج العرب اليوم إلى الاتفاق على ستراتيجية قومية لمواجهة الأطماع الاستعمارية والصهيونية في البحر الأحمر وخاصة في مداخلة وجزره وثرواته.